فن وثقافة

تيرويسا…الحقل السائب!!!!

يلاحظ المهتمون بالشأن الفني في المناطق الناطقة بتشلحيت، أن فن الروايس يتراجع كل عام عن مستوياته القياسية التي بلغها مع الرواد، فمنذ انسحاب شركات الإنتاج، الرقابة الحقيقية على فن الروايس في غياب مؤسسة رسمية تعنى به وتقننه وتنظمه إلى اليوم، بسبب القرصنة والطفرة المعلوماتية والتيكنولوجية، فتح ميدان الروايس على مصراعيه أمام كل من يمتلك بضعة مئات من الدراهم ليصبح في ساعتين فنانا.
قبل عقد ونصف من الآن، لا يمكن أن تصبح رايسا إلا إن توافرت فيك شروط تيرويسا، فالرايس يجب أن يكون قائدا، متمكنا من أصول مهنة الروايس وعملهم، فيكون شاعرا يكتب نصوصه، ملحنا يلحنها، عازفا يعزفها، واساسا على آلة الرباب، ومغنيا متمكنا من مهارات الأداء الصوتي، متملكا حنجرة مقبولة، متملكا الإيقاع قادرا على مسايرته، وملما بآداب واصول اعتلاء المنابر والمنصات، بإتقان فنون القول والكلام ومخاطبة الجماهير.
لقد تخرجت أجيال الروايس المختلفة من مدارسهم الخاصة التي لم تكن قط نظامية، بل كانت ذاتية التأسيس والتنظيم والتسيير والتمويل، حيث يلتحق الرايس تلميذا بفرقة متمرسة ما في إحدى المدن التي تشهد تجمعات الروايس، حيث يتجمع الروايس في أگادير والدشيرة وإنزگان والصويرة ومراكش والدار البيضاء، ويوفر كل فنان كبير بيتا يؤمن له كل حاجياته، يؤوي فيه أعضاء فرقته، ويضمن لهم الاجتماع والتدريب المتواصلين، وتصقل المواهب في الحلقة والجولات الفنية التي ينظمها الروايس في مختلف الربوع، ولا يتجرأ الرايس على التقدم نحو الأستوديو أو الميكوروفون أو يتوسط الجماهير إلا عندما يوقن أنه اصبح رايسا تتوافر له شروط تيرويسا كما هو متعارف عليها في منطقة تواجد هذا الفن العريق.
وقد لعب أصحاب شركات الإنتاج كصوت النجوم وصوت المعاريف وأفراو كاسيط ونصيريفون وإنتاجح ديسكو… ، وقبلها شركات التورنوديسك، لعبوا دورا كبيرا في اكتشاف المواهب وإيصالها للجمهور، بل كانوا يتلقفون الأصوات الجيدة الرائعة ويتعقبونها تعقبا ويفتشون عنها تفتيشا، لما تضمنه من الربح المادي لحامل المشروع، أي صاحب شركة الإنتاج.
وكان أصحاب هذه الشركات يلعبون دور الرقابة على ما سينتجونه، كيف لا وهم مستثمرون لرؤوس أموال ينتظرون منها الربح، مما جعلهم بارعين في إيصال الأصوات التي تستحق والدفع بها للسوق والجمهور، الجمهور نفسه الذي كان يلعب دور الرقيب الثاني، حيث يكفي ألا يقبل على اسم لتعلن نهايته بسبب بوار منتوجه.
إن أبسط ما يجب أن يتوافر للفنان هو الصوت الجيد المقبول والقدرة على الأداء، ولو توفرت هذه الملكة، فهناك شعراء سيكتبون وملحنون سيلحنون وعازفون سيعزفون، وهو ما يتوفر لعدد من الأصوات التي بلغت ما بلغت من الشهرة، في زمن كانت الإمكانات التقنية للتسجيل في الأستوديوهات تجعل من التسجيل مهمة صعبة أمام فرقة موسيقية كاملة، ومؤدي وكورال وإيقاع، يشتغلون ويسجل ما ينجزونه في نفس الآن، ولو أخطأ واحد منهم فقط يتوجب أن تعاد العملية برمتها، وهذا في زمن plein piste كما يسميها المهنيون، وهي التقنية التي ظهر في ظلها كبار الروايس الذين يبسطون سيطرتهم على السوق الفنية إلى اليوم دون منازع، وكان روايس مثل الكبير مبارك أيسار يقضون في الأستوديو شهورا لتسجيل أعمالهم الفنية، بعد إعدادها شهورا في بيوتهم من قبل فرقهم الموسيقية ومستشاريهم الفنيين من كل الفئات، وهو ما ينتفي اليوم أمام فناني الكوكوت مينوت الذين يتوجهون للأستوديوا أبرياء من أي فن، ليخرجوا منه وبين أيديهم قطعا غنائية لا يعرفون أي شيء عن طريقة كتابتها ولا تلحينها ولا توزيعها ولا عزفها ولا غنائها، بل كل ما حملوه بضعة مئات من الدراهم لشراء كل شيء، فقط كي يقال له الرايس، ويرى صورته على منصات التواصل الاجتماعي.
ستتيح التيكنولوجيا ووسائل الاتصال للأسف هذه الإمكانات، فعجلت بالقرصنة وجعلتها تحتد، وجعلت الأعمال الفنية الراقية التي يبذل من أجلها الجهد والوقت والمال، تتاح بعد دقائق من نشرها للعموم بدون مقابل، مما عجل بانسحاب كل شركات الإنتاج من السوق، مع ظهور تقنية multipistes ومختلف المؤثرات الصوتية، فوجد أصحاب استوديوهات التسجيل أنفسهم أمام واقع آخر مختلف كلية عما عاشوه من مجد ورفاه، واقع لم يعد المنتوج الفني في ظله يضمن أدنى الضروريات، كتغطية المصاريف، فما بالك بالربح كما كان.
ستكون سنة 2010 إيذانا بفترة أخرى من فترات فن الروايس، سيلج الميدان كل من يستطيع توفير بعض مئات الدراهم لشراء كلمات ولحن وتغطية مصاريف العازفين والأستوديو، فتكاثر أشباه الروايس كالفطر، وأصبحت لا تستطيع أن تميز الرايس عن الآخر، والأوطوطون، أو الفيكودور كما يسميه الروايس، يجعل أيا كان مؤديا، يكفيه أن يقف أمام الميكروفون ويتلفظ بالكلمات التي يهمس بها في أذنه، لينمقها ويرتبها البرنامج العجيب، وتضاف لها المؤثرات الصوتية الإلكرتونية، لينتفخ فنان الأوطوطون، ويرى نفسه رايسا يستطيع أن ينافس الكبار، فيكتب على صورة غلاف عمله دون أن يرف له جفن الفنان الشاعر الكبير فلان الفلاني.
سيتواصل اندحار فن الروايس، ستأتيه الضربات من كل جانب، وسيعتلي المنصات أشخاص لا صلة لهم بفن، بل سلاحهم الشعبوية والتفاهة والبذاءة، وجدوا أنفسهم على حين غرة يصرخون ويجرون ويتمرغون في التراب، وينزلون من المنصات ليتوجهوا إلى الجمهور الذي هو نفسه فقد كل حس فني، فتضاعفت الأسماء التي لا تتقن إلا التهريج والصراخ، وأصبحت تظهر على ملصقات المهرجانات، مع تغييب كلي للفنانين الحقيقيين من قبل منظمي مختلف التظاهرات.
لقد جعل المتطفلون على ميدان تيرويسا كل من هب ودب يدخل الميدان، ويسمي نفسه، ويسميه البعيدون عن الميدان رايسا، دون أن يتملك أيا من أدوات تيرويسا، فأين هؤلاء من واهروش وحماد أمنتاگ وسعيد أشتوك وألبنسير وبيزماون وأيسار ومولاي حماد ولحسن بوميا وأوطالب وأعراب أتيگي وعمر أتيگي والحسين الباز وحسن أرسموك والحسين أمراكشي وأوتاجاجت وتاباعمرانت وغيرهم كثير؟؟؟؟
ومن يتحمل المسؤولية في اندحار مستوى فن الروايس إلى الحضيض وتطفل من لا صلة له بالمجال الفني عليه؟
وكيف لمن ليس شاعرا ولا ملحنا ولا عازفا ولا مؤديا ولا صاحب إيقاع أن يصبح فنانا في زمن التفاهة والرداءة والوساطة والسمسرة في كل شيء؟؟؟
إن الدولة من خلال المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي، وكل المعنيين بالميدان الفني مدعوون اليوم قبل الغد لوقفة تأمل في الذي يجري هنا والآن، لحماية الروايس وتيرويسا الحقيقيين، فمجال تيرويسا يشهد تسيبا غير مسبوق، يتوجب وقفه، ومحاسبة المسؤولين عنه، للحفاظ على موروث ثقافي وحضاري كبير أوصله لنا الأجداد، وصونه من الاندثار والدفاع عنه، بوصفه تراثا لا ماديا مغربيا صرفا لا نظير له في أي رقعة من العالم، تماما كشجرة أرگان الخالدة.
إن الروايس وأرگان يعيشان على نفس الأرض، وينبتان في نفس التربة، ويشربان من نفس المعين للأرض المغربية الطيبة، لذا وجب علينا جميعا التدخل قبل فوات الأوان لوقف التسيب، وتقنين مجال تيرويسا، وحمايته من كل الذين يعماون جتهدين لتخريبه، وهم الذين لا صلة لهم به البتة.
“”” الطيب امكرود”””

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى