كتاب وآراء

جمال الدين ريان :”الزعماء الخالدون وديمقراطية التوريث..تحديات الديمقراطية الحقيقية”.

في وقت يتطلع فيه العالم إلى الديمقراطية الحقيقية وتداول السلطة كركيزة أساسية للحكم الرشيد، يبرز مشهد الزعماء الخالدين في الأحزاب والنقابات كعائق كبير أمام هذا التوجه. قرار أخنوش الأخير بعدم الترشح لولاية ثالثة يشكل درسًا مهمًا ومؤشرًا نادرًا على نضج سياسي يحترم مبادئ التجديد والتداول، وهو ما يجب أن يكون نموذجًا يُحتذى به.
الزعامات الخالدة ظاهرة سياسية واجتماعية متجذرة في ثقافات متعددة، لكنها تحمل مخاطر جسيمة على صحة الديمقراطية. هؤلاء القادة الذين يستمرون في السيطرة على مناصبهم لفترات طويلة يغلقون أبواب التغيير أمام الطاقات الجديدة، ويحولون مؤسساتهم إلى ملكيات شخصية، مما يعيق حيوية الحياة السياسية ويحد من فرص الابتكار والتجديد.
هذه الظاهرة تؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ”ديمقراطية التوريث”، حيث تصبح الزعامة حقًا وراثيًا أو محصورة في دائرة ضيقة، ما يحرم المجتمع من التنوع في الأفكار والقيادات. كما تخلق بيئة خصبة للفساد والمحسوبية، إذ تتعزز شبكات المصالح على حساب المصلحة العامة، وهو ما يتناقض مع مبادئ الحكم الرشيد الذي يقوم على الشفافية والمساءلة وتداول السلطة.
على النقيض، فإن مبدأ التداول والتجديد هو جوهر الديمقراطية، فهو يضمن تنشيط الحياة السياسية، ويحفز الابتكار في الخطط والسياسات، ويعزز المشاركة الشعبية. قرار أخنوش بعدم الترشح رسالة قوية لكل من يعتقد أن البقاء في السلطة هو حق مكتسب وليس مسؤولية مؤقتة.
لذلك، على الأحزاب والنقابات أن تدرك أن الزعامة ليست منصبًا دائمًا ولا حقًا لا يُمس، بل هي خدمة مؤقتة يجب أن تنتقل بسلاسة إلى جيل جديد قادر على مواكبة تحديات العصر. فقط بهذه الروح يمكن تحقيق ديمقراطية حقيقية تضمن العدالة والتقدم، وتؤسس لحكم رشيد يحقق تطلعات الشعوب ويضمن استمرارية المؤسسات وفعاليتها.
في النهاية، الديمقراطية ليست مجرد تناوب على المناصب، بل هي نظام متكامل يقوم على حكم القانون، والمساءلة، والشفافية، وتداول السلطة، وهي أدوات لا غنى عنها لضمان حكم رشيد يحقق التنمية والاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى