كتاب وآراء

حميد فايو: “صناعة الإنهيار.. سياسات مادورو التي قادت فنزويلا إلى الهاوية”.

تمر فنزويلا بأحد أكثر الفصول اضطراباً وتعقيداً في تاريخها الحديث، حيث تتداخل عوامل داخلية خالصة مع تدخلات خارجية صارخة لتشكل مشهداً كارثياً يصعب حله. تضع الأزمة الحالية العالم أمام معضلة أخلاقية وسياسية معقدة: كيف نتعامل مع نظام حكم محلي ثبت فشله الذريع في تلبية أبسط حقوق مواطنيه، بل وانغمس في قمعهم، دون التغول على مبدأ السيادة الوطنية الذي يشكل حجر الأساس في القانون الدولي الحديث؟ عملية الاعتقال العسكرية الأمريكية للرئيس نيكولاس مادورو، رغم إداناتها الواسعة، لم تأت من فراغ، بل جاءت تتويجاً لمسار داخلي طويل من التدهور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي حوّل البلاد إلى دولة فاشلة ومصدراً لعدم الاستقرار الإقليمي، مما وفر ذريعة للقوى الخارجية للتحرك تحت شعارات إنسانية أو أمنية.
الانهيار الاقتصادي: السياسات الفاشلة وتداعيات العقوبات:
إن جوهر الأزمة الفنزويلية يكمن في الانهيار الاقتصادي المدوي الذي حوّل بلداً يمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم إلى ساحة للمجاعة والحرمان. ترجع جذور هذا الانهيار بشكل أساسي إلى سياسات اقتصادية كارثية اتسمت بالفساد وسوء الإدارة وعدم الكفاءة. أفرط نظام مادورو في الاعتماد على ريع النفط، وهمّش القطاعات الإنتاجية الأخرى، وقام بتأميم مشاريع بكفاءة متدنية، مما أدى إلى شل قدرة الاقتصاد الوطني. النتيجة كانت تضخماً مفرطاً وصل إلى نسب أسطورية (تجاوز 60,000% في ذروته)، وتدميراً شبه كامل للقوة الشرائية للمواطن. في هذا السياق، جاءت العقوبات الدولية، وخاصة الأمريكية، لتعمق الجرح. بينما استهدفت هذه العقوبات النخبة الحاكمة وقطاع النفط لحرمان النظام من موارده، فإن تأثيرها التسريعي سقط بشكل كبير على كاهل المواطن العادي، حيث حدّت من قدرة الدولة على استيراد الغذاء والدواء والسلع الأساسية، مساهمةً في تفاقم الأزمة الإنسانية التي استغلها النظام لتبرير إخفاقه.
الأزمة الإنسانية: تحويل الاحتياج إلى أداة للسيطرة السياسية:
تحولت الأزمة الاقتصادية إلى كارثة إنسانية شاملة طالت كل مظاهر الحياة. أفادت تقارير منظمات دولية عن نقص حاد في الغذاء والدواء، وعودة أمراض كان يعتقد أنها قضي عليها، وانهيار النظام الصحي والتعليمي. المأساة الحقيقية تكمن في كيفية تعامل النظام مع هذه الكارثة. فبدلاً من إعلان الطوارئ وتوجيه كافة الموارد لإنقاذ الشعب، حوّل نظام مادورو نظام المساعدات الاجتماعية، الذي كان أحد ركائز شعبيته في عهد تشافيز، إلى أداة للسيطرة السياسية والولاء. تم ربط الحصول على الصناديق الغذائية المدعومة أو “الكلاب سوشياليس” بالانتماء الحزبي ودعم الحكومة، محوّلاً الاحتياج الإنساني الماس إلى وسيلة لترسيخ السلطة وقمع المعارضة. لقد استخدم الجوع كسلاح لفرض الطاعة، في خيانة صارخة للمبادئ الاجتماعية التي ادعى الدفاع عنها.
تآكل الديمقراطية: من التعددية الشكلية إلى الدكتاتورية الصريحة:
شهد العقد الماضي تحولاً منهجياً في بنية الحكم في فنزويلا من نظام انتخابي، وإن كان يعيبه الكثير، إلى دكتاتورية مغلقة تقمع أي صوت معارض. بدأ هذا المسار بإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت بها المعارضة في 2015، وتأسيس جمعية تأسيسية موازية لاحتكار السلطة التشريعية. ثم توالت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أجواء من التضييق على الحريات، واستبعاد المرشحين المعارضين الرئيسيين عبر عراقيل قانونية مصطنعة، وهيمنة كاملة على الهيئة الوطنية الانتخابية. بلغت الذروة بالانتخابات الرئاسية في يوليوز 2024، التي أجريت في ظل غياب المراقبة الدولية المستقلة الحقيقية واستبعاد معظم قادة المعارضة، مما أفرز نتائج رفضها المجتمع الدولي وجزء كبير من الشعب الفنزويلي. لم يعد النظام يحكم حتى بشرعية الاقتراع المشكوك فيه، بل اعتمد بشكل صريح على القوة والقمع.
آلة القمع: جرائم منهجية ضد الإنسانية:
لم يكتف النظام بتزوير إرادة الناخبين، بل واجه أي احتجاج سلمي بآلة قمع وحشية. وفقاً لتقارير مفصلة من بعثة تقصي الحقائق الدولية التابعة للأمم المتحدة، ارتقى قمع النظام إلى مستوى “جرائم ضد الإنسانية”. تشمل هذه الانتهاكات الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري قصير المدى، والتعذيب بأشكاله الجسدية والنفسية، وحتى عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء تحت ذريعة “مواجهة العصابات”. تم توثيق نمط ممنهج للتنسيق بين الحملات التشهيرية في الإعلام الحكومي ضد نشطاء أو مدافعين عن حقوق الإنسان، تليها مباشرة اعتقالات لهم من قبل أجهزة الأمن. لقد حوّل النظام القضاء وأجهزة الشرطة والمخابرات إلى أدوات شخصية للبطش، مما أفرغ دولة القانون من أي مضمون.
تدمير المؤسسات: تحويل الدولة إلى ملكية خاصة:
لم يكن قمع المعارضة عشوائياً، بل جاء نتيجة لتدمير ممنهج لكل المؤسسات المستقلة التي يمكن أن تشكل رقابة على السلطة التنفيذية. تم إخضاع القضاء بشكل كامل للإرادة السياسية، فأصبحت المحاكم تصدر أحكاماً مسبقة الصنع ضد المعارضين بناءً على أوامر من القصر الرئاسي. كما تم تدمير استقلالية البرلمان عبر الجمعية التأسيسية، وتهميش دور المحامي العام والمفتش العام. حتى الحزب الحاكم، “الحزب الاشتراكي الموحد”، تحول من أداة حزبية جماهيرية إلى هيكل بيروقراطي صارم يأتمر بأوامر النخبة الحاكمة. هذه العملية حوّلت مؤسسات الدولة، التي يفترض أن تخدم الشعب، إلى أدوات في يد عائلة مادورو وحلفائه الضيقة لضمان بقائهم في السلطة ونهب ثروات البلاد.
دور العقوبات الدولية: عامل تفاقيم أم ذريعة للنظام؟
يثير دور العقوبات الدولية، وخاصة الحظر النفطي والمالي الأمريكي، جدلاً واسعاً. يرى مؤيدوها أنها الوسيلة السلمية الوحيدة المتاحة للضغط على نظام غير ديمقراطي لتحسين سلوكه أو التخلي عن السلطة. من ناحية أخرى، يقدم تحليل دقيق تأثيراتها المزدوجة. صحيح أن هذه العقوبات حرمت النظام من مليارات الدولارات من العائدات، مما حدّ من قدرته على تمويل أجهزة القمع وشراء الولاءات. لكن الأدلة تشير أيضاً إلى أنها عرقلت بشدة واردات البلاد من الغذاء والدواء والسلع الأساسية، وساهمت في انهيار الخدمات العامة، مع عدم وجود آلية فعالة لحماية المدنيين من تداعياتها. هذا التأثير المدمّر أعطى النظام ذريعة جاهزة لإلقاء اللوم الكامل على “الحصار الإمبريالي” لتبرير أزمته الداخلية العميقة، مما سمح له بتجنب المساءلة عن سياساته الكارثية.
العزلة والتحالفات: فنزويلا في معادلة القوى العالمية:
دفعت السياسات الداخلية والعقوبات الغربية فنزويلا إلى أحضان قوى معادية للغرب، مما حول أزمتها الداخلية إلى ورقة في الصراع الجيوسياسي العالمي. أصبحت فنزويلا تعتمد بشكل متزايد على الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري من روسيا والصين وإيران. قدمت روسيا دعماً مالياً واستثمارات في قطاع النفط، بينما أصبحت الصين الدائن الرئيسي للبلاد. في المقابل، تستخدم هذه القواعد الفنزويلية كرأس جسر إستراتيجي في النفوذ في أمريكا اللاتينية وتحدي الهيمنة الأمريكية. هذا التحالف غير الطبيعي عزّز عزلة النظام عن جيرانه في المنطقة (باستثناء كوبا ونيكاراغوا) وجعله رهينة لمصالح قوى خارجية، مما أعاق أي حل تفاوضي إقليمي للأزمة وزاد من تعقيد المشهد الدولي.
تداعيات التدخل العسكري الأمريكي: سابقة خطيرة وفراغ مرعب:
في هذا السياق، يأتي التدخل العسكري الأمريكي المباشر وأسر الرئيس مادورو كصدمة هزت النظام الدولي. بغض النظر عن التبريرات الأخلاقية أو القانونية (محاربة المخدرات)، فإن هذا الفعل يشكل سابقة خطيرة تسمح للقوى الكبرى باستخدام القوة العسكرية للإطاحة بحكومات لا ترضى عنها، مما يعيد العالم إلى منطق القرون الماضية حيث كانت القوة هي الفيصل. عملياً، يخلق هذا التدخل فراغاً سياسياً وأمنياً مرعباً داخل فنزويلا. زوال مركز السلطة المركزي، حتى لو كان استبدادياً، يفتح الباب أمام صراعات دموية محتملة بين الفصائل العسكرية والميليشيات المسلحة الموالية للنظام القديم، مع خطر حقيقي باندلاع حرب أهلية أو تقسيم فعلي للبلاد، ستكون الضحية الأولى فيها الشعب الفنزويلي المرهق أصلاً.
طريق شائك نحو المستقبل وأهمية الحل السياسي:
تترك أزمة فنزويلا دروساً قاسية. فهي تثبت أن الأنظمة الشمولية التي تقمع شعوبها وتهدر ثرواتها تحفر قبرها بيدها، وتخلق الظروف التي تستدعي التدخل الخارجي، حتى لو كان مرفوضاً. وفي الوقت ذاته، تظهر أن الحلول العسكرية الخارجية، رغم سرعتها الظاهرية، غالباً ما تكون كالثور الأعمى في متجر للخزف؛ تحطم المشكلات القديمة ولكنها تخلق فوضى جديدة وأكثر تعقيداً. مستقبل فنزويلا الآن يعتمد على قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على التعلم من هذه الأخطاء المزدوجة. الحل الوحيد المستدام يكمن في إيجاد مخرج سياسي شامل، بوساطة دولية محايدة وحقيقية، يؤسس لمرحلة انتقالية تنتقل بالبلاد من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، ومن الاقتصاد الريعي الفاسد إلى اقتصاد منتج، مع ضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من العقاب. هذا الطريق طويل وشائك، لكنه السبيل الوحيد لاستعادة السيادة الحقيقية للشعب الفنزويلي وإنهاء معاناته.
“””د- حميد فايو ، باحث واقتصادي”””

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى