كتاب وآراء

خالد خالص: “حين يهدد التشريع أحد أعمدة العدالة..مشروع القانون بتنظيم مهنة المحاماة أنموذجا”.

يشكل مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، المحال من قبل وزارة العدل على الأمانة العامة للحكومة، محطة مفصلية في النقاش العمومي حول العدالة وحقوق الإنسان بالمغرب. فبعيدا عن كونه نصا تقنيا يهم فئة مهنية بعينها، فإن هذا المشروع يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة القانونية، ومكانة الدفاع داخل منظومة العدالة، وحدود تدخل السلطة التنفيذية وكذا النيابة العامة في المهن المرتبطة بحماية الحقوق والحريات.
لقد خاض المحامون والمحاميات المغاربة، يوم 6 يناير 2025، إضرابا وطنيا عاما شمل مختلف هيئات المحامين السبعة عشر عبر ربوع المملكة، حيث توقف العمل بجميع المحاكم، وذلك احتجاجا على مضامين المشروع المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. ولم يتوقف الاحتجاج عند حدود الاضراب، إذ لوح رئيس جمعية هيئات المحامين وكذا النقباء الممارسين بإمكانية تقديم استقالاتهم من مهامهم، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم الاحتقان وعمق الأزمة القائمة بين الجسم المهني والجهة التي أعدت النص. 
إن هذا التصعيد لا يمكن قراءته باعتباره رد فعل ظرفيا أو فئويا ضيقا، بل يشكل تعبيرا مؤسساتيا قويا عن فقدان الثقة في المسار التشريعي المعتمد، وفي مدى احترامه لاستقلال المحاماة ولمبدأ الشراكة في إصلاح منظومة العدالة.
إن مهنة المحاماة، في الأنظمة الديمقراطية، ليست مجرد نشاط مهني، بل وظيفة دستورية مرتبطة ارتباطا وثيقا بحماية الحقوق والحريات، وبضمان التوازن بين السلطة والمواطن. ولهذا السبب، كرس الدستور المغربي حقوق الدفاع باعتبارها مضمونة أمام جميع المحاكم، وجعل استقلالها شرطا جوهريا لتحقيق المحاكمة العادلة، لا امتيازا ممنوحا لفئة مهنية. فالدفاع المستقل هو صمام الأمان ضد التعسف، وضمانة أساسية لثقة المتقاضين في العدالة.
غير أن مشروع القانون المطروح اليوم يثير مخاوف حقيقية، لكونه يتجه نحو تكريس منطق الوصاية على مهنة المحاماة، سواء عبر توسيع صلاحيات وزارة العدل، أو من خلال إقحام النيابة العامة في مجالات تمس التنظيم المهني أو المساطر التأديبية. ويؤدي هذا التوجه، في حال اعتماده، إلى الإخلال بالتوازن الدقيق داخل منظومة العدالة، وجعل الدفاع في موقع التبعية بدل أن يظل طرفا مستقلا يوازن سلطة الاتهام.
كما يتضمن المشروع مقتضيات توسع من دائرة المسؤولية التأديبية للمحامي، وتعتمد صيغا عامة وفضفاضة، من شأنها تقييد حرية التعبير المهنية، وخلق مناخ من التخوف أثناء ممارسة حق الدفاع. إن خطورة هذه المقتضيات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في غموضها، بما قد يسمح بتأويلات واسعة تضعف الأمن القانوني، وتحول النص من أداة تنظيم إلى وسيلة ضغط غير مباشر.
ويطرح المشروع من الزاوية الحقوقية، إشكالية التراجع عن مكتسبات مهنية وحقوقية راكمتها المحاماة المغربية عبر عقود، في انسجام مع المعايير الدولية، ولا سيما المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين، التي تؤكد على ضرورة حماية استقلالهم، وضمان عدم تعرضهم لأي تدخل أو متابعة بسبب قيامهم بواجبهم المهني. إن أي تشريع وطني ينتقص من هذه الضمانات يضع الدولة في وضعية عدم انسجام مع التزاماتها الدولية، ويمس بمصداقية خطابها الحقوقي.
ويزداد هذا الإشكال حدة بالنظر إلى غياب مقاربة تشاركية حقيقية في إعداد المشروع، رغم ما ينص عليه الدستور من إشراك الفاعلين المعنيين في بلورة السياسات العمومية والتشريعات الكبرى. فالتظاهر باشراك المحامين ثم العمل على إقصائهم، وهم مكون أساسي في منظومة العدالة، بالإضافة الى تغييب الهيئات الحقوقية، يضعف الشرعية الاجتماعية للنص، ويجعله مصدر توتر واحتقان بدل أن يكون أداة إصلاح وتطوير.
إن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس دفاعا عن مهنة، بل دفاع عن حق كل مواطن في محاكمة عادلة، وعن عدالة متوازنة لا تكون فيها كفة الاتهام أرجح من كفة الدفاع. فحين يضعف الدفاع، تضعف العدالة، وحين تضعف العدالة، يتضرر المجتمع بأسره، وتتآكل الثقة في المؤسسات.
وعليه، فإن المطلب اليوم لا يتمثل في رفض الإصلاح من حيث المبدأ، بل في إعادة توجيهه نحو مسار تشاركي سليم لملائمته مع الدستور ومع المواثيق الدولية التي تسمو على القوانين الداخلية منذ المصادقة عليها من قبل المغرب. فإصلاح مهنة المحاماة ينبغي أن يتم مع المحامين لا ضدهم، وأن يهدف إلى تعزيز حصانة الدفاع وأخلاقيات المهنة وجودة الدفاع، دون المساس باستقلاله أو إخضاعه لمنطق الوصاية. كما أن حماية المصلحة العامة لا تتحقق بتقليص الحريات المهنية، بل بضمان توازن السلط، واحترام الدستور، والوفاء للالتزامات الحقوقية الدولية.
إن فتح نقاش عمومي واسع ومسؤول حول هذا المشروع، وإعادة النظر في مقتضياته المثيرة للجدل، أصبح اليوم ضرورة سياسية وحقوقية. فالتشريع الذي يمس العدالة يجب أن يصاغ بروح العدالة، لا بمنطق التحكم. والدولة التي اختارت دستوريا أن تكون دولة قانون، مطالبة بأن تجعل من قوانينها جسور ثقة بين المؤسسات والمجتمع، لا أسباب صدام تهدد أحد أعمدة العدالة الأساسية.
“””خالد خالص/ دكتور في الحقوق محام بهيئة المحامين بالرباط مقبول للترافع أمام محكمة النقض””””

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى