كتاب وآراء

طابور طهران في وطني..او حينما تختطف الأيديولوجيا البعض.

لم تعد العلاقة الجدلية بين بعض التيارات والعناصر في المغرب والنظام الإيراني مجرد فرضية يطرحها المراقبون، أو اتهاماً تتقاذفه أطراف التنافس السياسي والحزبي.
بل تحولت، في ظل العدوان الإرهابي الحالي للنظام الإيراني ضد دول الخليج العربي، إلى معطىً استراتيجي معلن يجب التعامل معه بالحكمة الاستباقية والتدابير الصارمة حرصا على امن واستقرار ومصالح الوطن.
التصريحات التي أطلقها بعض الاشخاص باختلاق تموقعهم الأيديولوجي والفكري، والتي شنوا فيها حملة هوجاء ماكرة ضد السيد ناصر بوريطة وزير الخارجية…وأعلنوا فيها صراحة الاصطفاف إلى جانب النظام الإيراني في عدوانه على حلفاء وشركاء المملكة الاستراتيجيين والاوفياء- تعكس تحوّلاً خطيرا يتجاوز حدود حرية التعبير والتضامن والدفاع عن المقاومة كما يروجون بهتانا…إلى إعلان تموضع أيديولوجي واضح، بل تكشف جانباً من العقيدة الأيديولوجية التي ثم ترسيخها في عقلية بعض ممن نشترك معه فضاء هدا الوطن ونعمه الكثيرة.
ما نسمعه ونشاهده ونتأمله اليوم ليس مجرد تضامن مع النظام الإيراني، بل تعبير عن تقاطع عميق بين مشروعين أيديولوجيين يرى كل منهما في الآخر حليفاً طبيعياً في مخطط استهداف النظام والوطن المغربيين.
لقد خضعت بعض الاصوات اوما يصطلح عليهم في بعض الادبيات الإعلامية”الكوفيين” على مدى سنوات، لعملية هندسة بنيوية دقيقة قادها بتقية تنظيم الإخوان…وبعض فلول اليسار والقومجين المتطرفين أيتام عبد الناصر والقذافي وبوخروبة وكاسترو…جرى خلالها تجريف العقيدة الوطنية المبنية على نظام البيعة والولاء لأمير المؤمنين جلالة الملك حفظه الله ونصره…لصالح الولاء التنظيمي، حيث استُبدلت الوطنية بالانتماء التنظيمي والايديولوجي، وتحول الفضاء العمومي تدريجياً من فضاء للتنافس السياسي والحزبي حول برامج تخدم المصالح العليا للوطن إلى فضاء ووعاء لمشروع سياسي فتنوي خطير عابر للحدود.
هذا التمكين لم يقتصر على السيطرة على مفاصل الفضاء العمومي، بل أفضى إلى نشوء بنية عقلية وعقائدية موازية، تتماهى فيها حدود مصالح المملكة مع طموحات المحور الأيديولوجي التوسعي الذي يتجاوز فكرة الدولة الوطنية.
لم يكن التماهي بين، انكشاف وظهور الدلائل الملموسة عن دعم مادي وعسكري من نظام الملالي عبر درعه حزب الله اللبناني ومن بوابة نظام الكابرانات لمرتزقة البوليزاريو من اجل القيام بعمليات إرهابية ضد امن واستقرار المملكة…ثم خروج بعض “الكوفيين” لتبرئة نظام الملالي…امر عابر وعفوي، بل بدا أقرب إلى إعلان تحالف ضد المصالح العليا للمملكة.
لقد منحت طهران لجماعة الاخوان مند بداية اربعينيات القرن الماضي حينما إلتقى “قطب الإخواني” و”مجتبى نواب صفوي الإيراني”، المقرب من  الخميتي، ومؤسس المنظمة الثورية الإسلامية “فدائيو اسلام”( صورة اللقاء لايزال الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين يحتفظ بها) طوق نجاة تقنياً أسهم في إعادة ترميم قدراتهم التنظيمية والتكتيكية، مقابل التمكين لها في بلدان شمال إفريقيا والسودان.
وفي سياق التنافس المتصاعد على فضاء البحر الأبيض المتوسط من جهة والمحيط الأطلسي من جهة، تسعى إيران منذ سنوات إلى استعادة موطئ قدم استراتيجي على المجال بعد نجاحها في تجارب زرع حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وحماس في غزة…بما يمنحها منفذاً إضافياً في معادلة الأمن البحري الإقليمي، وهو ما يجعل المغرب جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع تتجاوز حدود شطحات ورقصات نظام الكابرانات.
الأخطر في خطاب بعض الكوفيين، هو حرصهم المتكرر في استهداف وزير الخارجية السيد ناصر بوريطة…والتلاعب العاطفي بمصطلحات التطبيع/ محور المقاومة…فهذا الخطاب وهذه اللغة ليست مجرد مفردة تعبئة تنظيمية، بل تعكس تصوراً عقائدياً للنقاش العمومي وتدبير الشأن العام للمملكة، يتجاوز مفهوم حرية التعبير والنقاش السياسي والفكري إلى فكرة الانخراط في صراع أيديولوجي لاوطني أوسع يهدف لإضعاف الدور الدبلوماسي القوي الذي تلعبه وزارة الخارجية، والذي يقوده بوريطة بتوجيهات ملكية، وهو ما يزعج بعض الأطراف… ويفسر رغبة “الإخوان الدين لا يعترفون بالحدود الوطنية أمام الأجندات الأممية للجماعة ” في تقويض هذا النجاح بدعم من الأطراف المتربصة بالمملكة ومصالحها العليا…
وعليه فاستهداف بعض الأصوات النشاز لوزير الخارجية ناصر بوريطة ليس استهدافاً لشخصه، بل هو استهداف للدولة ومؤسساتها، ومحاولة من جهة لإفراغ مواقف المغرب المتوازنة من محتواها واسقاط رمزيتها في الشعور العام والشعبي الوطني…ومن جهة أخرى ابتزاز الدولة في العلاقات الدولية للمملكة، وهي لا شك مخططات منكشفة وواضحة وغير مقبولة، وقد سبق للديوان الملكي في شهر مارس 2023، ان عبر عن رفضها ووصفها بالتجاوزات غير المسؤولة.
وهنا تتراجع صورة بعض الأصوات كعناصر تتحرك ضمن مجتمع تعددي، وفي إطار الوطن الجامع بثوابت مقدسة الله الوطن الملك…ليظهروا تدريجياً كأحد أذرع مشروع أيديولوجي يرى في الصدام مع المجتمع الدولي قدراً محتوماً، وفي الانتماء إلى محور خارجي -يستهدف مصالح المملكة- بديلاً عن الانتماء إلى الدولة.
إن خطاب بعض الأصوات الساعي لإفراغ مواقف المملكة الديبلوماسية المتوازنة من محتواها واسقاط رمزيتها في الشعورالعام/الشعبي الوطني، والتقليل من قيمة كل المنجز التنموي والحقوقي والثقافي والفكري بصفة عامة، والتركيز على مشاهد النقص بالكريتيك والنقد الهدام… ثم محاولة التغلغل في دواليب الدولة مستغلين الاختيار الديمقراطي للمملكة (وهي الديمقراطية التي لا يؤمنون بها الا حينما تكون نتائجها لصالحهم) … ليس مجرد تعبير عن مواقف…بل أصبح أحد المحركات الفاعلة في تشكيل خيارات الحاضر في مخططهم، فالارتماء في أحضان نظام الملالي يعكس رغبة هؤلاء في حماية وجودهم السياسي تحت مظلة السلاح، حتى لو كان الثمن إدخال الوطن في لعبة المحاور الإقليمية وتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
إن أخطر ما تكشفه خطابات بعض الأصوات، ليس مجرد العمالة لنظام الملالي، بل يحمل إعادة تعريف لوظيفة الإطارات التنظيمية المدنية والحزبية؛ من مؤسسات وطنية يفترض أن تدافع عن المصالح العليا للوطن، إلى أدوات ضمن صراع محاور إقليمية تعرف بمواقفها العدائية ضد الوطن/المغرب ومصالحه…وإذا استمرت هذا الخطابات اللاوطنية، واستمر معها الصمت والتجاهل الرسمي…فإنه مما لاشك فيه هذه الخطابات لا تقامر فقط  بمواقف المملكة الرسمية، بل تخاطر بتحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية على حساب المغرب والمغاربة الاصيلين، الذين يتطلعون إلى بناء وطنهم المتقدم والمزدهر.
“””محمد امنون””

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى