
لبنان: غضب من حزب الله ومنطق “الانتحار والتدمير الذاتي” في مواجهة إسرائيل.
بقراره فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل باسم ولائه لإيران وتكريما لمرشده الأعلى الراحل علي خامنئي، يجد حزب الله نفسه معزولا تماما على الساحة السياسية اللبنانية، ويتصاعد الغضب حتى داخل البيئة الشيعية التي تقف في الخطوط الأمامية من القصف الصاروخي والغارات الجوية والتوغلات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في جنوب البلاد.
قوات إسرائيلية على الأرض، ومنطقة عازلة في جنوب لبنان، وقصف لا يتوقف، ونزوح في قلب شهر رمضان:
بإعلانه الإثنين 2 مارس 2026 مسؤوليته عن إطلاق بضعة صواريخ باتجاه اسرائيل”ثأرا” للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الذي قتل في طهران، أعاد حزب الله، لبنان إلى أتون الحرب. حرب تتخذ هذه المرة طابعا إقليميا، مع ايران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
يأتي ذلك بعدما ظل الحزب، منذ اتفاق وقف اطلاق النار الموقع مع اسرائيل في نوفمبر2024،يتعامل بحذر شديد ويتجنب الرد على ضربات إسرائيلية شبه اليومية في جنوب لبنان.
إسرائيل ردت فورا بضربات دامية استهدفت جنوب البلاد والضاحية الجنوبية لبيروت، مخلفة عشرات القتلى وعشرات الآلاف من النازحين. كما أمرت حكومة بنيامين نتانياهو الجيش بالسيطرة على “مواقع جديدة” في جنوب لبنان، وبإنشاء “منطقة عازلة”.
الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أطل الأربعاء 4 مارس الجاري في خطاب بثته قناة حزبه (المنار). وقال إن “حزب الله ومقاومته الإسلامية يردان على العدوان الإسرائيلي-الأمريكي، وهذا حق مشروع”، وأضاف “خيارنا هو مواجهته حتى أقصى درجات التضحية، ولن نستسلم”.
اشتباكات عنيفة بين قوات من حزب الله والجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان:
حزب الله قدم “ذريعة للعدوان الإسرائيلي”.
هذا التصعيد يعيد إحياء الانقسامات الداخلية في بلد الأرز، حيث قررت الحكومة التي تحاول منذ أشهر نزع سلاح حزب الله، في ختام اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء عقد في 2 مارس الجاري، حظر الأنشطة العسكرية للحزب الشيعي.
ويقول وزير العدل اللبناني عادل نصار في مقابلة مع فرانس24: “لا يسعنا إلا إدانة حجم الرد الإسرائيلي الذي لا يتناسب إطلاقا مع الصواريخ التي أطلقها حزب الله”. لكنه يستدرك: “مع ذلك، من الواضح أن حزب الله قدم عمدا وعن سابق معرفة وقصد هذه الذريعة للعدوان الإسرائيلي”.
ويتابع نصار: “من غير المقبول أن يبادر حزب سياسي إلى إطلاق صواريخ على بلد آخر، مهما كان عدوا”. ويضيف: “تصرف حزب الله غير مسؤول، وقد أدانت الحكومة اللبنانية هذا الفعل بشدة، واعتبرت بقرار اتخذ في مجلس الوزراء، أن أنشطة حزب الله العسكرية مخالفة للقانون”.
قرار كهذا لم يكن ليمر من دون موافقة الوزراء الشيعة المحسوبين على الحليف السياسي لحزب الله، رئيس مجلس النواب نبيه برئ. وبابتعاده عن الحزب، يكرس بري عزلة حزب الله السياسية الكاملة.
“إذا أرادوا الانتحار فليذهبوا إلى سيدهم في طهران”
يسخر مسؤول في حزب سياسي منافس لحزب الله، طالبا عدم كشف هويته، قائلا: “لم أر في حياتي ما يسمى مقاومة يفترض أن تحرر البلاد من المحتل، تفعل كل شيء كي تمنحه ذريعة لإرسال مزيد من القوات وإنشاء منطقة عازلة”.
ويضيف متهما: “كانوا يعرفون أكثر من غيرهم، بعدما اختبروا ذلك مرارا، أن الإسرائيليين سيردون حتما بعنف”. ثم يتابع: “إذا أرادوا الانتحار فليذهبوا إلى سيدهم في طهران، بعيدا عن لبنان، لأننا لم نعد نحتمل أيديولوجيتهم القاتلة”.
أما كريم المفتي، الباحث في العلوم السياسية والقانون الدولي في معهد العلوم السياسية في باريس، فيرى أن خطوات حزب الله الأخيرة تطرح أسئلة كثيرة.
هل نحن أمام اجتياح إسرائيلي كبير لجنوب لبنان.. وهل هناك تنسيق بين حزب الله وإيران؟
ويعتبر أن الحزب الموالي لإيران ربما “اختار أيضا الذهاب حتى نهاية منطقه الانتحاري والتدميري الذاتي، المنسجم بدوره مع بعض مرتكزات أيديولوجيته الشيعية، ولا سيما فكرة الشهادة المرتبطة بالإمام الحسين”، في إشارة إلى حفيد النبي محمد وثالث أئمة الشيعة الذي قتل عام 680 في كربلا ويعد “سيد الشهداء”.
ويضيف المفتي: “استراتيجيته السياسية والعسكرية تثير الاستغراب، لأنها أقرب إلى التدمير الذاتي منها إلى أي شيء آخر”. ويتابع: “من الناحية العسكرية البحتة، فإن تداعياتها على الحزب وعلى لبنان عموما تقوض ما تبقى من مصداقية حزب الله لدى الرأي العام اللبناني”.
وبالفعل، وبعيدا عن الخصومات السياسية، يتصاعد الغضب في لبنان حتى داخل البيئة الشيعية نفسها، حيث يلوم بعضهم الحزب على تعريض مناطقهم لموجة جديدة من الدمار.
وكان حزب الله أعلن الأربعاء أن مقاتليه يخوضون اشتباكات “مباشرة” مع جنود إسرائيليين دخلوا مدينة الخيام اللبنانية، على بعد ستة كيلومترات من الحدود.
شيعة على طرق النزوح من جديد:
يقول محمود فقيه، الصحفي في صحيفة النهار: “الوضع مأساوي، يدعو للبكاء، فيما يبدو أن حزب الله قرر الدخول في حرب من دون اكتراث بالأزمات التي تخنق البلاد، وبالبؤس والدمار اللذين لحقا بالجنوب في الحرب السابقة”. ويضيف: “في خضم صيام رمضان، تجد عائلات كاملة نفسها مجددا على الطرقات بحثا عن مكان تنام فيه. وفي وسط بيروت، ينام نازحون من جنوب لبنان داخل سياراتهم منذ ثلاثة أيام، لعدم وجود مأوى يستقبلهم”.
ويتابع فقيه: “غالبية اللبنانيين ضد هذه الحرب وضد زج البلد في هذا الصراع، بالنظر إلى المعاناة التي عاشوها قبل عام ونصف فقط. ويرون مبادرة حزب الله انتحارا عسكريا وسياسيا”.
الجيش الإسرائيلي ينذر اللبنانيين القاطنين في جنوب نهر الليطاني بالتوجه شمالا
لعرض هذا المحتوى من اليوتيوب من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات اليوتيوب
ويقول عادل نصار بدوره إنه يلمس “تنامي الوعي بمخاطر المغامرة التي يقدم عليها حزب الله، وبالأثمان التي يفرضها على عموم اللبنانيين، وبشكل أدق على سكان الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت”، وهي أبرز معاقل الحزب الشيعي.
ومن بيروت، يقول حسين إبيش، الباحث الأول في معهد دول الخليج العربي: “هناك غضب كبير من إسرائيل، لأن لبنان كان ضحية الدولة العبرية مرارا. لكن الغضب من حزب الله أكبر بكثير، وبمستوى لم أره منذ تأسيسه عام 1982”. ويضيف: “هناك مرارة واسعة تجاهه، حتى داخل البيئة الشيعية، إذ يرى كثيرون أنه جر البلاد بتهور إلى حرب لا طاقة لها بها ولا مصلحة لها فيها”.
ويختم إبيش: “بعدما أدخل حزب الله لبنانفي الحرب مرارا، نفد صبر الناس تجاه هذه الدورة المتكررة من العنف وتجاه ذريعة القتال ضد اسرائيل. لم يعد الصبر يتآكل، بل نفد تماما”.
النص الفرنسي: مارك ضو | النص العربي: حسين عمارة
“””فرانس24″””



