كتاب وآراء

ما بعد لقاء مدريد..حدود التسوية ومآلات النزاع.

ليس من عادتي التوقف عند بريق الأخبار، فالأخبار في جوهرها ليست إلا القشرة الخارجية لثمرة تخفي وراءها تفاعلات معقدة من التاريخ والجغرافيا وصراع الإرادات. لكننا اليوم أمام مشهد يستوجب القراءة المتأنية؛ فنحن لسنا بصدد لقاء دبلوماسي عابر في مدريد، بل نحن أمام تغيير جوهري في قواعد اللعبة في منطقة تمثل العمق الاستراتيجي للأمن القومي العربي والمتوسطي على حد سواء.
لقد علمتنا تجارب القرن العشرين أن القوى العظمى لا تتحرك في ملفات النزاعات المزمنة إلا حين تصل كلفة الجمود إلى حد يهدد مصالحها العليا. وما نراه اليوم، في هذا التاسع من فبراير، هو التجسيد الحي لهذا المنطق. إن اختيار مدريد لم يكن ضربا من الصدفة، والوساطة الأمريكية المباشرة ليست مجرد مسعى حميد، بل هي إرادة دولية قررت أخيرا وضع حد لحالة اللا سلم واللا حرب التي استنزفت المغرب العربي لنصف قرن.
ثمة ضرورة لاستشراف ما وراء الجدران الصامتة للسفارة الأمريكية في العاصمة الإسبانية، بالاستناد إلى تسريبات صحفية إسبانية رصينة، ليس لرصد الوقائع فحسب، بل لفهم لماذا حدث؟ وإلى أين يمضي بنا المسار؟. إنها لحظة مواجهة كبرى مع الواقع، حيث تتراجع الأساطير السياسية لتبقى فقط لغة المصالح الكبرى التي لا تكذب.
أولا، زلزال مدريد: قراءة في أوراق الوساطة الأمريكية وتحولات ميزان القوى
لم تكن مدريد مجرد عاصمة أوروبية تتنفس هواء الشتاء، بل كانت غرفة عمليات جيوسياسية مغلقة يطبخ فيها مستقبل الشمال الأفريقي على نار أمريكية هادئة. إن ما جرى في دهاليز السفارة الأمريكية بمدريد، وليس في قصر سانتا كروز مقر الخارجية الإسبانية، يتجاوز بمراحل مجرد لقاء بروتوكولي. نحن هنا بصدد ما يمكن تسميته حوار الحسم، حيث قررت واشنطن أن تضع ثقلها الاستراتيجي الكامل لإنهاء ملف ظل عالقا في ثلاجة التاريخ لنصف قرن.
ومع ذلك، فإن هذا الدفع الأمريكي، على قوته، لا ينبغي فهمه باعتباره فعلا نهائيا مغلقا، بقدر ما هو انتقال محسوب من سياسة إدارة الزمن إلى سياسة تسريع الوقائع، مع الإبقاء على هوامش تكتيكية تسمح بتعديل الإيقاع دون التراجع عن الاتجاه العام، وهو ما يعكس تقليدا راسخا في الممارسة الدبلوماسية الأمريكية يقوم على التحكم في المسارات لا على إغلاقها دفعة واحدة.
لقد بدأت القصة بوشوشات صحفية، لكنها سرعان ما تحولت إلى يقين إخباري تصدر صفحات الجرائد الإسبانية الكبرى. هنا أقف عند ما أوردته صحيفة El Confidencial، التي كانت تملك المجسات الكافية لاختراق جدار السرية، لتخبرنا أننا أمام قانون صمت فرضه البيت الأبيض على جميع الأطراف.
 وبقراءة ما نشرته El País، نجد أنفسنا أمام مشهد درامي تتداخل فيه الرمزية مع القرار، حيث يجلس مسعد بولس، الرجل الذي يمثل عقل الرئيس الأمريكي وهواجسه في المنطقة، على رأس الطاولة، وبجواره مايك والتز، المفوض بإدارة توازن دقيق بين أدوات الضغط الناعمة والخشنة، ليدير حوارا مع أطراف كانت حتى وقت قريب ترفض مجرد الجلوس في فضاء واحد. هذا المشهد، على كثافته التاريخية، لا يعكس فقط لحظة تفاوض، بل يكشف عن انتقال أمريكي مدروس من إدارة التباينات إلى إعادة ترتيب موازينها.
إن الوثيقة المغربية التي سربت تفاصيلها، والتي تضخمت من ثلاث صفحات سنة 2007 إلى أربعين صفحة من التفاصيل الفنية الدقيقة، ليست مجرد ورقة تفاوض، بل إعلان واقع سياسي جديد. غير أن توصيف هذه الوثيقة باعتبارها المرجع المركزي في هذا المسار لا يعني إلغاء الأطر الإجرائية متعددة الأطراف التي تحكم عمل الأمم المتحدة، بل يعكس انتقال مركز الثقل السياسي نحو مقترح بعينه، على أن يترجم ذلك لاحقا ضمن صيغ قانونية أممية تحفظ الطابع التعددي للمسار وتستوعب موازين القوى المستجدة.
المغرب هنا، وبحسب قراءة المشهد، لم يعد يطالب بالاعتراف، فقد تجاوزه، بل صار يطرح خريطة طريق إدارية وقانونية تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وتنقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى قابلية التنفيذ.
الصحافة الإسبانية، وعلى رأسها Atalayar، تلمح إلى أن الجزائر وموريتانيا والبوليساريو لم يأتوا إلى مدريد بدافع الفضول الدبلوماسي، بل لأن رياح القوة في النظام الدولي قد غيرت اتجاهاتها، ولأن واشنطن لم تعد تقبل ببؤر توتر تعطل استراتيجيتها الكبرى في الأطلسي الجديد.
غير أن هذا التحول لا يلغي امتلاك بعض الأطراف، وفي مقدمتها الجزائر، لأدوات إرباك وتأخير، حتى وإن تراجعت فعاليتها مقارنة بالمراحل السابقة، وهو ما يجعل من مسار التسوية طريقا تفاوضيا متعرجا تحكمه مناورات محسوبة، هدفها تحسين شروط التموضع أكثر مما هي إعادة إنتاج النزاع في صيغته التقليدية.
هذا الحوار في مدريد ليس لقاء ظرفيا، بل عملية إعادة صياغة للمنطقة برمتها. إسبانيا وفرت الجغرافيا، وواشنطن وفرت الإرادة، والمغرب وفر المشروع. أما التسريبات الإسبانية، فلم تكن سوى بالونات اختبار لقياس ردود أفعال الرأي العام في العواصم المعنية، واختبارا مبكرا لهوامش القبول الممكنة. نحن أمام لحظة فارقة، تتراجع فيها اللغة الخطابية لصالح منطق المصالح المحسوبة والقوة الهادئة. 
في مدريد، لم يكن النقاش يدور حول من يملك الأرض، بل حول كيف تدار الأرض تحت السيادة المغربية، وبضمانات أمريكية تجعل التراجع عن هذا المسار كلفة سياسية واستراتيجية لا يرغب أي طرف في تحملها.
ثانيا، هندسة الخروج الكبير: موازين القوى في اختبار الواقعية السياسية
عندما ننتقل من كواليس اللقاء في مدريد إلى جوهر ما يطرح على الطاولة، نجد أنفسنا أمام عملية جراحة سياسية دقيقة للغاية، لا تستهدف معالجة أعراض نزاع مزمن بقدر ما تسعى إلى إعادة ترتيب بنيته العميقة. إن حوار مدريد، كما تراءى من تسريبات صحيفة El Confidencial، ليس مجرد جولة تفاوضية تضاف إلى سجلات الأمم المتحدة، بل محاولة لإعادة رسم التوازنات في شمال أفريقيا وفق منطق الواقعية السياسية، حيث يصبح المستحيل مكلفا إلى درجة تدفع الفاعلين إلى البحث عن الممكن الأكثر استقرارا، لا عن الممكن الأكثر انسجاما مع الشعارات القديمة.
إن الوثيقة المغربية المحدثة، المكونة من أربعين صفحة من التفاصيل الإدارية والقانونية، لم تطرح باعتبارها سردية سيادية مجردة، بل كنص سياسي عملي مكتوب بلغة المستقبل. وبحسب ما رشح من تقارير في El País، فإن الرباط لم تعد تكتفي بتأكيد الحقوق، بل انتقلت إلى هندسة السلطة ذاتها، من خلال تصور متكامل لكيفية توزيع الضرائب، وتدبير القضاء المحلي، وإدماج السلاح ضمن بنية الدولة الواحدة.
هذا التحول من مستوى التنظير إلى مستوى قابلية التنفيذ هو ما منح المقترح المغربي ثقله الجديد، وجعل الأطراف الأخرى تشعر بأن هامش المناورة لم يعد مفتوحا كما في السابق، وأن الزمن لم يعد يعمل لصالح تأجيل الحسم.
غير أن هذا الانتقال في ميزان المبادرة لا يعني بالضرورة أن المسار يسير في خط مستقيم. فالجزائر، كما تقرأها التحليلات الرصينة في Atalayar، تجد نفسها أمام معضلة استراتيجية حقيقية، لكنها لا تزال تملك، رغم تراجع فعاليتها، أدوات إرباك وتأخير تسمح لها بمحاولة تحسين شروط خروجها من هذا الملف.
ومن ثم، فإن ما يجري ليس انتقالا من نزاع إلى حل دفعة واحدة، بل مسارا تفاوضيا متدرجا، تحاول فيه الجزائر موازنة حاجتها إلى الحفاظ على كبريائها القومي مع إدراكها المتزايد بأن مشروع الدولة المستقلة فقد الكثير من زخمه الدولي.
في هذا السياق، لا تبدو واشنطن في مدريد طرفا يقدم مقترحات قابلة للأخذ والرد، بقدر ما تظهر كفاعل يعيد توزيع الضمانات. فالرسائل الأمريكية موجهة إلى الجميع في آن واحد. للمغرب، بأن السيادة المقترحة لم تعد مجرد طرح سياسي، بل حقيقة دولية في طور الترسيم. وللجزائر، بأن استقرارها الداخلي والإقليمي يظل خطا أحمر في الحسابات الأمريكية. ولموريتانيا، بأن موقعها الجغرافي يؤهلها لأن تكون شريكا أطلسيا فاعلا في ترتيبات ما بعد النزاع.
ومع ذلك، فإن هذا الدور الأمريكي، على قوته، لا ينفصل عن منطق إدارة التوازنات، حيث تحرص واشنطن على دفع المسار إلى الأمام دون إغلاق كل منافذ التعديل، بما يسمح لها بالحفاظ على هامش التحكم في الإيقاع الإقليمي.
إن حضور موريتانيا في هذا التوقيت بالذات لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلا بروتوكوليا، بل كإشارة استراتيجية واضحة على أن الجغرافيا بدأت تتغلب على الاعتبارات الأيديولوجية، وأن مصالح نواكشوط أصبحت مرتبطة عضويا بإنهاء هذا النزاع في إطار يحفظ الاستقرار الإقليمي ويمنع انزلاق المنطقة إلى فراغ أمني جديد. هذا التموقع الموريتاني يعكس تحولا أعمق في البيئة الإقليمية، حيث لم يعد النزاع ورقة ضغط بقدر ما أصبح عبئا استراتيجيا.
أما جبهة البوليساريو، فهي في هذا المسار تواجه ما يمكن تسميته ساعة الحقيقة. لقد انتهى زمن حروب الاستنزاف العسكرية ليبدأ زمن استنزاف الخيارات السياسية. التسريبات الإسبانية تشير إلى تحول هيكلي محتمل يتم فيه استبدال منطق البندقية بمنطق صندوق الاقتراع المحلي في إطار الحكم الذاتي. غير أن هذا التحول، إن تم، لن يكون بالضرورة سلسا أو متجانسا، بل قد يرافقه ارتباك داخلي وإعادة تشكل في البنية التنظيمية للجبهة، وهو ما يجعل إدماجها السياسي مسألة زمن وإدارة أكثر مما هو قرار لحظي.
ما يجري في مدريد، في جوهره، هو محاولة لطي صفحة النزاع المفتوح وفتح أفق تسوية مؤسساتية طويلة الأمد. في الظاهر، يسعى هذا المسار إلى إنتاج نهاية بلا غالب ولا مغلوب، لكن في العمق، فإن المنتصر الحقيقي هو الواقعية السياسية التي أدركت أن استمرار النزاع تحول إلى ثقب أسود يبتلع مقدرات المنطقة، وأن الإبقاء عليه لم يعد يخدم سوى إعادة إنتاج الهشاشة بدل حماية المصالح.
ثالثا،  في مآلات حوار مدريد: قراءة في سيناريوهات اليوم التالي
عند بلوغ هذا المسار ما يشبه خاتمة مرحلته الأولى، يفرض سؤال جوهري نفسه بإلحاح: إلى أين تمضي هذه القافلة؟ إن قراءة أوراق المستقبل في هذا السياق لا تنتمي إلى باب التنبؤ، بقدر ما تقوم على استنتاج منطقي من معطيات وضعت بعناية على طاولة السفارة الأمريكية بمدريد. نحن أمام لحظة إعادة ترتيب كبرى، تتقاطع فيها الإرادة السياسية مع القيود القانونية، ويعاد فيها تعريف الممكن في ضوء كلفة استمرار النزاع على المستويين الإقليمي والدولي. ومن هذا المنطلق، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لا بوصفها مسارات مغلقة، بل كاتجاهات محتملة قابلة للتقاطع والتعديل.
السيناريو الأول يقوم على العبور نحو التنزيل الفني للمقترح المغربي. وتشير المعطيات المتداولة إلى احتمال حدوث تحول في وظيفة الأمم المتحدة ذاتها، حيث لا يعود دورها محصورا في إدارة الحوار وتقريب وجهات النظر، بل ينتقل تدريجيا نحو مرافقة التنفيذ. غير أن هذا التحول، إن تحقق، لن يتم خارج الأطر القانونية للأمم المتحدة، بل عبر إعادة تعريف الولاية الأممية من خلال قرارات صريحة أو توافقات داخل مجلس الأمن تعيد توجيه دور الوساطة نحو تثبيت الوقائع بدل الاكتفاء بتدوير الخلاف.
في هذا المسار، تصبح الوثيقة المغربية المحدثة المرجع السياسي المركزي، على أن تترجم لاحقا ضمن صيغ قانونية أممية تحفظ التعدد الإجرائي وتمنح المسار غطاءه الدولي الكامل، بما يحول الحكم الذاتي من مشروع سياسي إلى واقع إداري ملموس قابل للاستدامة.
السيناريو الثاني يتمثل في المقايضة الاستراتيجية الكبرى. فواشنطن، ومعها عواصم غربية وازنة، تدرك أن استقرار الجزائر جزء لا يتجزأ من استقرار المجال المتوسطي برمته، وأن أي تسوية لا تراعي هذا المعطى مرشحة لإنتاج هشاشة جديدة. لذلك، لا يقوم هذا السيناريو على منطق كسر الطرف الجزائري، بل على إدماجه في صفقة أمنية واقتصادية أوسع، تشمل تأمين فضاءات الساحل، وضمان تدفقات طاقية مستقرة، وإعادة تموضع الجزائر كشريك إقليمي ضمن منظومة رخاء أطلسي آخذة في التشكل.
ومع ذلك، فإن هذا المسار يظل مشروطا بقدرة الجزائر على الانتقال من منطق التعطيل الوقائي إلى منطق التفاوض البراغماتي، وهو انتقال لا يخلو من كلفة داخلية وحسابات سياسية معقدة.
أما السيناريو الثالث، فيتعلق بما يمكن وصفه بالذوبان التنظيمي والعودة الكبرى. بالنسبة لجبهة البوليساريو، تشير المؤشرات إلى أن زمن إدارة النزاع كحالة استثنائية يقترب من نهايته، وأن البديل المطروح يتمثل في استيعاب سياسي تدريجي داخل منظومة الحكم الذاتي. غير أن هذا المسار، بطبيعته، لا يمكن اختزاله في قرار إداري أو تفاهم فوقي، بل يظل مشروطا بضمانات قانونية وأمنية واضحة، تشمل الوضع المدني للعائدين، وتسوية الحقوق والممتلكات، وتوفير آليات إدماج تحول دون إعادة إنتاج التوتر داخل البنية الاجتماعية المحلية.
في هذا الإطار، تصبح العودة الطوعية أداة لبناء الاستقرار لا مدخلا لهشاشة جديدة، ويعاد تعريف النزاع باعتباره شأنا محليا يحسم داخل المؤسسات المغربية، لا ملفا مفتوحا في أروقة التدويل.
وتأسيسا على ذلك، فإن ما جرى في مدريد لا يمثل نهاية مسار بقدر ما يشكل لحظة فاصلة في إعادة ترتيب أولوياته. لقد استخدمت إسبانيا منصة جغرافية، واستثمر المغرب تراكمه الدبلوماسي ومشروعه التنفيذي، بينما اضطلعت واشنطن بدور الضامن الذي لا يفرض الحلول بقدر ما يرسم حدود الممكن.
لم يكن حوار مدريد حوارا بين خصوم بقدر ما كان إملاء للضرورات: ضرورة الاستقرار، ضرورة التنمية، وضرورة الاعتراف بأن الجغرافيا، في نهاية المطاف، تظل عاملا حاسما في كتابة التاريخ، حتى حين تحاول السياسة تأجيل هذه الحقيقة.
“””د. محمد كرواوي – كاتب وأكاديمي مغربي”””

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى