
هل هو تعيين على المقاس؟ الوزيرة نعيمة ابن يحيى تفتح باب الترشيح لشغل منصب مدير وكالة التنمية الاجتماعية بمعايير تثير الجدل.
أثار قرار وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، التي يوجد علي رأسها الوزيرة نعيمة ابن يحيى، بفتح باب الترشيح لشغل منصب مدير(ة) وكالة التنمية الاجتماعية بتاريخ 29 دجنبر 2025، جدلا ونقاشا جديا حول المعايير المعتمدة لاختيار رؤساء المؤسسات العمومية الاستراتيجية في المغرب، خصوصا في ظل السياق الوطني الذي يرفع شعار الحكامة، الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ووفق وثيقة قرار فتح المباراة الصادرة بتاريخ 29 دجنبر 2025 الموقعة من طرف الوزير نعيمة ابن يحيى عن وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، والمصدّق “بعد إطلاع رئيس الحكومة” فقد تقرر فتح باب الترشيح لشغل منصب مدير(ة) وكالة التنمية الاجتماعية بناء على مضمون يكشف عن إشكالات تشريعية ومؤسساتية عميقة تتعلق بمعايير اختيار قادة مؤسسات الدولة، وحدود مبدأ تكافؤ الفرص، ومدى احترام فلسفة “التدرج في المسؤولية” داخل الإدارة العمومية المغربية.
القرار المؤطر للمباراة لا يأتي معزولا، بل يحيل في مقدمته على ترسانة قانونية ودستورية مهمة، بدءا من الظهير الشريف رقم 1.58.008 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، مرورا بالقانون رقم 49.92 المحدث لوكالة التنمية الاجتماعية، والقانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، ومجموعة من المراسيم التطبيقية الخاصة بتحديث الإدارة، وتدبير التعيينات، وضبط شروط ومساطر تعيين كبار المسؤولين.
وهذا الإطار القانوني يفترض نظريا ضمان الشفافية، الاستحقاق، وتحديد شروط صارمة تساوي بين المرشحين وتجعل المسطرة منافسة حقيقية على أساس الكفاءة.
لكن قراءة متأنية لبنود القرار تكشف أن “هندسة الشروط” جاءت شديدة المرونة إلى درجة تثير الكثير من الأسئلة. فالمادة الثانية من القرار تكتفي بالمطالبة بتوفر المترشح على تجربة مهنية لا تقل عن عشر (10) سنوات في الميادين الإدارية أو التقنية أو العلمية، سواء داخل الإدارات العمومية، الجماعات الترابية، المؤسسات العمومية، المقاولات العمومية أو القطاع الخاص، داخل المغرب أو خارجه ولا يفرض النص أن يكون المترشح قد تقلد أي مسؤولية تدبيرية سابقة، لا رئيس مصلحة، ولا رئيس قسم، ولا مدير مركزي، ولا حتى مسؤول عن مشروع إداري كبير.
ويكفي أن يكون المترشح قد قضى عشر سنوات في تجربة مهنية ما وبالتالي هذه الصياغة تجعل الباب مفتوحا نظريا أمام أي إطار أو موظف تنفيذي قضى عشر سنوات في وظيفة تقنية بسيطة، ليقف في خط المنافسة على قيادة مؤسسة وطنية تُدبّر ميزانيات وتوقع صفقات ولها مسؤوليات قانونية ومالية واسعة وهنا يطرح السؤال الجوهري هل هذا تسهيل مقصود بدعوى “فتح الفرصة للجميع” أم ثغرة قانونية قد تُستخدم لتكييف الشروط على مقاس أسماء معينة؟.
ما يزيد من حدة المفارقة أن المهام المسندة لمنصب مدير وكالة التنمية الاجتماعية كما يحددها القرار، ليست مهاما رمزية أو بروتوكولية فالمدير يمتلك “جميع السلطات والاختصاصات اللازمة” لتسيير الوكالة، ينفذ قرارات مجلس الإدارة، يمثل الوكالة أمام القضاء والهيآت الإدارية، يعين المستخدمين، يسير شؤونهم الإدارية، يلتزم بالنفقات، يوقع الصفقات والعقود، ويشرف على المحاسبة، ويتحمل المسؤولية المباشرة في ضبط الالتزامات والصفقات ونفقات الوكالة ومداخلها أي نحن إذن أمام منصب يمزج بين المسؤولية السياسية الاجتماعية، القانونية، المالية والإدارية، ويتطلب خبرة دقيقة في تدبير المخاطر، فهم القانون المالي وقواعد الصفقات العمومية، وإدارة الموارد البشرية.
ومع ذلك، يكتفي النص بجمل عامة من قبيل “التوفر على مؤهلات عالية” و”الكفاءة” و”الدراية بمجال الاقتصاد الاجتماعي والتنمية الاجتماعية” دون أي تحديد لمعايير موضوعية قابلة للقياس، مثل نوع المؤهلات المطلوبة وسقف المسؤوليات السابقة وطبيعة المناصب التي يجب أن يكون المترشح قد شغلها، أو حتى نوعية التجارب التدبيرية التي تثبت أهليته لقيادة مؤسسة من هذا الوزن.
الأكثر حساسية أن القرار يشير صراحة إلى أنه صدر “بعد اطلاع رئيس الحكومة” بما يعني أن رئاسة الحكومة على علم كامل بالشروط وبالهندسة القانونية للمباراة، وهو ما ينقل النقاش من مجرد سؤال قطاعي إلى سؤال حكومي سياسي أكبر حول هل راجعت رئاسة الحكومة ملاءمة هذه الشروط مع روح الدستور؟ هل تمت مقارنة مضامين القرار مع الفلسفة العامة للقانون التنظيمي 02.12 الذي يرفع شعار الاستحقاق والشفافية والكفاءة؟ وهل يعتبر “الزمن المهني” وحده معيارا كافيا لتولي قيادة واحدة من أهم مؤسسات الدولة الاجتماعية؟
وبالعودة إلى التفاصيل التنظيمية التي يقدمها القرار، فإن ملف الترشيح يتكون من طلب خطي، المطبوع النموذجي الموحد الذي يُسحب إلكترونيا من موقع الوزارة، نسخة من السيرة الذاتية تحمل صورة فوتوغرافية، مشروع لتطوير وكالة التنمية الاجتماعية يتضمن رؤية المترشح لتدبير المؤسسة وبرنامج العمل، وجميع الوثائق المثبتة للمؤهلات والخبرات، إضافة إلى أي وثائق أخرى يعتبرها المترشح مفيدة لتعزيز ملفه.
كما يحدد القرار بدقة مسطرة الإيداع، إذ يتعين وضع ملف الترشيح في أربعة نظائر، مرفوقا بنسخة إلكترونية، لدى وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، بالعنوان 47 شارع عائشة أخدين بحي أكدال – الرباط (حسب المعطيات الواردة في النص)، مقابل وصل إيداع داخل الأجل الإداري المحدد، وذلك خلال الفترة الممتدة من 9 يناير 2026 إلى 23 يناير 2026، كما يشير القرار إلى أن الإعلان سينشر على الموقع الإلكتروني لرئاسة الحكومة وعلى الموقع الإلكتروني للوزارة، وعلى البوابة الإلكترونية للتشغيل العمومي.
الوثيقة تحدد أيضا أن الاختيار سيتم من طرف لجنة مختصة، وأن المدير يتمتع بكامل السلطات إلى حين انعقاد مجلس الإدارة الذي يمكن أن يفوض جزءا من صلاحياته كما تشير إلى أن الوكالة خاضعة لمراقبة الدولة، وأن المدير ملزم بإعداد التقارير، مسك المحاسبة، ضبط الالتزامات المالية، وتتبع النفقات والمداخيل وفي الجانب الشكلي، يوقع القرار باسم وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة نعيمة بنيحيى ويشرع العمل به من تاريخ توقيعه ونشره بالمواقع الرسمية المحددة.
“”” الصحيفة”””



