كتاب وآراء

يونس مجاهد: من الجزيرة الخضراء إلى مدريد.

دخلت قضية الصحراء المغربية وضعا جديدا، بعد الاجتماع الذي دعت إليه الولايات المتحدة الأمريكية في مقر سفارتها، بالعاصمة الإسبانية، مدريد، لبحث تطورات ملف الصحراء المغربية، وذلك بمشاركة شكلية للأمم المتحدة، وحضره إلى جانب الوفد المغربي، وفود من الجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، بالإضافة إلى المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، وقاد الوفد الأمريكي كل من مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط وإفريقيا، ومايك والتز، سفير واشنطن لدى الأمم المتحدة.
ولم يصدر عن هذا الاجتماع، الذي عقد يومي 8 و 9 فبراير 2026، أي بلاغ، غير أن المعطيات التي نشرتها العديد من وسائل الإعلام، تفيد أن المغرب قدم وثيقة موسعة من أربعين صفحة، تتضمن عرضا تقنيا محينا لخطة الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية، كما تمت مناقشة مشروع إنشاء “لجنة فنية دائمة” تضم خبراء قانونيين من المغرب، والجزائر، وموريتانيا، إلى جانب جبهة البوليساريو، تحت إشراف أممي وأمريكي مشترك، وبعد هذه الجولة الأولى، من المنتظر أن يتم تنظيم لقاء ثان، في العاصمة الأمريكية.
الوضع الجديد الذي دخلته قضية الصحراء المغربية، هو مبادرة الولايات المتحدة الأمريكية، إلى الإشراف على مفاوضات تطبيق مشروع الحكم الذاتي، في الصحراء المغربية، مع إشراك الأمم المتحدة، غير أن دور هذه المنظمة الدولية، كما يتوضح من الصورة، أصبح خلف الطرف الأمريكي، وهذا تطور كبير تشهده هذه القضية، منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في ولايته الأولى، عن مساندته للموقف المغربي، وتم تعزيز هذا التوجه في أن واشنطن كانت هي صاحبة القلم، الذي صاغ قرار مجلس الأمن، الذي اعترف بالسيادة المغربية، على الصحراء، وبمقترح الحكم الذاتي كحل للنزاع.
الدلالة الرمزية والفعلية، لهذا التطور، تكمن في أن نفس القوة التي كانت الفاعل الرئيسي، في مؤتمر الجزيرة الخضراء، سنة 1906، الذي كان البداية الرسمية لمشروع التقسيم والإحتلال الإستعماري للمملكة الشريفة، هي نفس القوة، التي تقف وراء دعم المغرب لإعادة النظر في هذا التقسيم، الذي أدى إلى تفتيته وضم جزء من أراضيه من طرف المستعمر، وإلحاقه بالجزائر الفرنسية.
استمر حلف الجزيرة الخضراء، ممثلا في إسبانيا الذي استرجع المغرب منها أراضيه الجنوبية، بالتقسيط، غير أنها قبل جلائها من الصحراء المغربية، كانت قد زرعت بذور الدعوة الإنفصالية، وواصلت دعم هذا المشروع، خاصة بواسطة الجماعات الترابية المنتخبة، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام. أما فرنسا، فهي بدورها استمرت في منطقة رمادية، تخدم عمليا الموقف الجزائري، الذي تفوق على سيده، في خدمة مخطط التفتيت والتجزئة، متقمصا دور الدول الأوروبية التي شاركت في مؤتمر الجزيرة الخضراء، التي كان همها الوحيد تقسيم المغرب.
من أهم دلالات الموقف الأمريكي، قلب المعادلة التاريخية للنزاع، فقد كان الإطار المرجعي للأمم المتحدة يقوم على فكرة تنظيم استفتاء لتقرير المصير، غير أن هذه المرجعية تختفي اليوم، بعد صمود المغرب، الذي تقدم بخيار واقعي وقابل للتطبيق، ممثلا في الحكم الذاتي، الأمر الذي فتح إمكانية التوصل إلى حل لهذا النزاع، بعد أكثر من خمسين عاما من الجمود. 
الدلالة الأخرى، المترتبة عن هذه المعادلة الجديدة، هي أخذ الولايات المتحدة زمام المبادرة، حيث توارت إلى الخلف، منظمة الأمم المتحدة، التي تثبت باستمرار عجزها عن معالجة أغلب الملفات المعروضة عليها، نظرا لتوازناتها الثقيلة، التي تعقد الأوضاع أكثر من المساهمة في حلها، خاصة في قضية الصحراء المغربية، التي شهدت تخبط العديد من المسؤولين الأمميين، المشرفين على هذا الملف.
أما الدلالة الجيوسياسية للموقف الأمريكي، فتكمن في تحويل ملف الصحراء المغربية إلى ملف استراتيجي، قد يعيد ترتيب الأوراق في منطقة شمال إفريقيا، في علاقته بأوروبا، خاصة، وبباقي العالم، حيث تسعى الولايات المتحدة في هذه المنطقة، من خلال دعمها القوي للمغرب، كنموذج للاستقرار والانفتاح الاقتصادي، إلى ضمان شريك مثالي، لتعزيز مصالحها التي تقوم على الاستثمار والشراكات الاقتصادية طويلة الأمد، وحليف قوي وموثوق على الساحل الأطلسي لإفريقيا، مما يساعدها على التحكم في التوازنات مع القوى الأخرى. فكما تمت هندسة المصالح واقتسام النفوذ، قبل أكثر من قرن، في الجزيرة الخضراء الإسبانية، تعود واشنطن، لترتيب المصالح والتوازنات، انطلاقا من العاصمة الإسبانية، مدريد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى