عين على الصحافة

من الدعاية إلى التزييف بالذكاء الاصطناعي…الانهيار الأخلاقي والمهني للإعلام الجزائري.

لم تعد المعارك الإعلامية في المنطقة المغاربية تدار فقط عبر التصريحات السياسية أو المواقف الدبلوماسية، بل أصبحت تخاض، بشكل متزايد، داخل الفضاء الإعلامي، حيث تختبر مصداقية الخطاب قبل قوة الرسالة.
وفي هذا السياق، كشفت تغطية كأس إفريقيا للأمم المنظمة بالمغرب عن مفارقة لافتة: حدث رياضي قاري نجح تنظيميا وتواصليا، مقابل خطاب إعلامي جزائري بدا عاجزا عن مواكبة الوقائع، فاختار مسارات بديلة قائمة على التشكيك والتشويه بدل التحليل والتقييم المهني.
 لم يعد الخطاب الإعلامي الجزائري المعادي للمملكة المغربية يختزل في اختلاف سياسي أو تباين دبلوماسي، بل تحول إلى نمط متكرر من الهوس الدعائي، القائم على التشويه الممنهج أكثر من كونه نقلًا للوقائع، وقد شكلت تغطية كأس إفريقيا للأمم المنظمة بالمغرب لحظة كاشفة، عرت هذا النموذج الإعلامي، وأظهرت هشاشته أمام اختبار الواقع.
 فمع انطلاق التظاهرة القارية، وجدت بعض المنابر الجزائرية نفسها في مواجهة صورة مغايرة تماما للسردية التي سعت إلى ترسيخها، هذه المنابر، ومن خلال محاولات بدائية لتصوير مناطق مظلمة بشكل متعمد، أو تضخيم تفاصيل هامشية، أو اجتزاء مشاهد خارج سياقها، سرعان ما تهاوت أمام التغطيات الدولية التي أبرزت مدنا مغربية مضاءة، وبنيات تحتية حديثة، وتنظيما محكما حظي بإشادة واسعة من الوفود والجماهير ووسائل الإعلام العالمية.
 ومع انكشاف هذه المقاربات، اضطرت بعض هذه الوسائل، تحت ضغط الفشل الميداني ووعي المتلقي، إلى تغيير أساليبها، غير أن التحول لم يكن نحو المهنية، بل نحو مستوى أكثر خطورة من التضليل، تمثل في اللجوء المكثف إلى محتوى مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي، خلال الأيام الأخيرة، انتشرت عبر منصات محسوبة على الإعلام الجزائري فيديوهات وصور يزعم أنها ملتقطة في الرباط أو بمحيط الملاعب المغربية، وتظهر فيضانات وهمية لمياه الصرف، أو مشاهد فوضى ونفايات ذات طابع كاريكاتوري.
 ورغم رداءة هذه التركيبات من الناحية التقنية، فقد جرى تداولها على أمل التأثير في جمهور محدود الخبرة أو ضعيف التحقق، غير أن هذا الرهان لم يصمد طويلا، ففي بيئة إعلامية مترابطة، حيث أصبح التحقق الرقمي آلية يومية، جرى تفكيك هذه المواد بسرعة.
 وتميزت عدة وسائل إعلام عربية، خاصة في مصر، بعمل مهني دقيق في كشف زيف الصور والفيديوهات المتداولة، وتتبع مصادرها، وفضح تقنيات التلاعب المستخدمة، وهكذا تحولت بعض النماذج من “الصحافة” الجزائرية المعادية إلى مادة دراسية علنية في التضليل الإعلامي، بدل أن تكون مصدرا للمعلومة.
ما يجري اليوم يتجاوز بكثير حدود الخلاف السياسي التقليدي، نحن أمام أزمة مصداقية عميقة، نتجت عن الإصرار على خطاب قائم على الكراهية والتشويه، بدل التنافس الإعلامي المهني.
 فبدل التأثير في صورة المغرب، التي ترتكز على إنجازات ملموسة ومعطيات قابلة للتحقق، وجدت هذه الوسائل نفسها عالقة في حلقة مفرغة، حيث يستدعي كل تضليل تضليلا أكثر تعقيدا، لكنه أيضا أكثر قابلية للانكشاف، في زمن الدليل البصري والتحقق الفوري والصحافة التشاركية، لم يعد الإعلام التآمري مجرد خطاب غير مؤثر، بل أصبح عبئا على منتجيه، وقد كشفت هذه الحملة المستمرة ضد المغرب، بعيدا عن إضعاف صورته، عن تآكل أخلاقي ومهني عميق داخل منظومة إعلامية اختارت الظل بدل الحقيقة والدعاية بدل الخبر.
“””تيليكسبريس/ جواد العديلي””””

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى