كتاب وآراء

الصادق العثماني:”التطرف الديني وخطره على الإسلام والمسلمين في المجتماعات الغربية”.

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الفكرية والثقافية، وتتشابك فيه الهويات داخل المجتمعات الغربية المتعددة الأعراق والأديان، يبرز سؤالٌ جوهري حول موقع الإسلام والمسلمين في هذا المشهد المعقّد، وحول مدى قدرتهم على تقديم صورة حضارية متوازنة لدينهم، تحقّق مقاصده الكبرى، وتحفظ كرامة الإنسان، وتؤسس للتعايش والسلام . وفي قلب هذا السؤال يقف التطرف الديني بوصفه أحد أخطر التحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين في الغرب، ليس فقط لما يسببه من أضرار أمنية واجتماعية، بل لما يحدثه من تشويه عميق لجوهر الرسالة الإسلامية وروحها المقاصدية .
الإسلام، في جوهره، رسالة هداية ورحمة، جاء ليحرر الإنسان من الظلم والضلال، ويقيم ميزان العدل، ويحقق مصالح العباد في الدنيا والآخرة . وقد قامت الشريعة الإسلامية على مقاصد كبرى، في مقدمتها حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والكرامة الإنسانية . هذه المقاصد ليست شعارات نظرية، بل هي روح التشريع وغاياته، وهي الميزان الذي تُفهم به النصوص وتُنزَّل به الأحكام .
غير أن الخطاب المتطرف غالبًا ما يتجاهل هذه المقاصد، ويختزل الدين في مظاهر شكلية أو مواقف صدامية، تُفرغ الإسلام من إنسانيته، وتحوّله إلى أداة صراع بدل أن يكون رسالة سلام .
في السياق الغربي، حيث يعيش المسلمون كأقليات في مجتمعات تقوم على التعددية وحرية المعتقد، تتضاعف خطورة التطرف. فالمسلم هناك لا يمثل نفسه فقط، بل يُنظر إليه بوصفه صورة عن دينه وثقافته وأمته. وعندما يسقط بعض الأفراد في فخ الغلو والتشدد، فإن آثار ذلك تمتد لتطال ملايين المسلمين الأبرياء .
التطرف الديني في الغرب لا يولد في فراغ، بل هو نتاج عوامل متداخلة، نفسية واجتماعية وثقافية وسياسية ودينية، من بينها الشعور بالاغتراب، وضعف الاندماج، والتمييز، وغياب الخطاب الديني الرشيد .
في ظل هذه الظروف، يجد بعض الشباب في الخطابات المتشددة ملاذًا نفسيًا يمنحهم شعورًا زائفًا بالانتماء، ويقدّم لهم تفسيرًا مبسّطًا لشؤون الحياة وغالبا مايكون قائمًا على منطق الصراع .
غير أن هذا التفسير يتناقض مع الرؤية القرآنية العميقة، التي تؤسس لعلاقات قائمة على العدل والتعارف والحوار، كما قال تعالى: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾ .
من المنظور المقاصدي، يشكل التطرف اعتداءً على مقاصد الشريعة، إذ يهدد حفظ النفس، ويقوّض العقل، ويشوّه الدين، ويزعزع الاستقرار، وينتهك الكرامة الإنسانية .
وفي الدول الغربية، حيث تحكم القوانين منظومة الحقوق والحريات، يؤدي الخطاب المتطرف إلى تعميق القطيعة بين المسلمين ومحيطهم، ويغذّي مناخ الشك والخوف المتبادل.
الأخطر من ذلك أن التطرف لا يشوّه صورة الإسلام لدى غير المسلمين فقط، بل يفسد وعي الأجيال المسلمة نفسها، ويزرع فيها فهماً قاسيًا للدين، يخلو من الرحمة والحكمة والوسطية والاعتدال .
من الناحية الإعلامية والفكرية، لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بالاكتفاء بالإدانة، بل يتطلب الأمر بناء خطاب بديل، عقلاني، متوازن، وجذاب، يعيد ربط الشباب بروح الإسلام ومقاصده وجوهره وروحه .
وتتحمل المساجد والمراكز الإسلامية مسؤولية كبيرة في هذا المجال، باعتبارها فضاءات للتكوين والحوار والانفتاح، لا مجرد أماكن للعبادة.
كما أن الأسرة تبقى الحصن الأول في ترسيخ الفهم الوسطي للدين، وتنمية قيم المواطنة والاحترام المتبادل .
ومن زاوية فلسفية، يعكس التطرف فشلًا في التوفيق بين النص والواقع، وبين الهوية والانفتاح، وهو تعبير عن خوف من التعدد والأسئلة المعاصرة.
ويزداد هذا الفشل وضوحًا عند التوقف أمام ظاهرة التحاق آلاف الشباب المسلمين من أوروبا بتنظيمات متطرفة، وعلى رأسها تنظيم “داعش” خلال السنوات الماضية . فقد أظهرت التقارير والدراسات أن نسبة كبيرة من المقاتلين الأجانب في هذه التنظيمات كانوا من دول أوروبية، نشؤوا وتعلموا في مجتمعات ديمقراطية، ويتمتعون نظريًا بحقوق المواطنة والحريات . ومع ذلك، وجدوا أنفسهم منجذبين إلى خطاب العنف والموت باسم الدين .
هذه المفارقة تفرض قراءة عميقة تتجاوز التفسيرات السطحية . فهؤلاء الشباب لم يولدوا متطرفين، بل تشكّل وعيهم في بيئات تعاني من هشاشة الهوية، وضعف الاحتضان الثقافي والديني، وغياب القدوة الفكرية الرشيدة. وفي كثير من الحالات، وجدوا في الخطاب المتشدد إجابات جاهزة عن أسئلتهم الوجودية، وشعورًا زائفًا بالقيمة والانتماء، وتعويضًا نفسيًا عن الإقصاء أو الفشل أو الضياع .
ولا يمكن في هذا السياق إعفاء بعض الدعاة والمشايخ وخطباء المساجد في أوروبا من جزء من المسؤولية، سواء عن قصد أو عن غير قصد . فحين يُقدَّم الدين في قالب صدامي، أو بلغة التحريض والكراهية، أو بمنطق تقسيم العالم إلى فسطاط إيمان وفسطاط كفر، فإن ذلك يهيئ الأرضية النفسية والفكرية للتطرف، حتى وإن لم يكن الهدف المباشر هو الدعوة إلى العنف.
كما أن بعض الدعاة المتأثرين بالتيارات المتشددة ساهموا، عبر خطبهم ودروسهم وموادهم الرقمية، في تكريس ثقافة الانغلاق والعداء، وتغذية خطاب المظلومية والقطيعة مع المجتمع، ما جعل فئة من الشباب فريسة سهلة لخطاب التنظيمات الإرهابية .
وتتجاوز المسؤولية الأفراد لتشمل المؤسسات الرسمية في العالم الإسلامي، وفي مقدمتها وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومنظمة التعاون الإسلامي التي يقع على عاتقها واجب استراتيجي في تأهيل الأئمة والدعاة، ومراقبة الخطاب الديني في الخارج، ودعم المراكز الإسلامية المعتدلة، وبناء شراكات فكرية وتربوية تحصّن الجاليات من الاختراق الإيديولوجي .
إن ترك الساحة الدينية في أوروبا والعالم الغربي ككل دون تأطير علمي ومقاصدي مسؤول، يفتح المجال أمام تيارات متطرفة لملء الفراغ، واستثمار معاناة الشباب، وتحويلها إلى وقود لمشاريع العنف والدمار .
أما المنهج المقاصدي، فيقدّم بديلًا حضاريًا، يقوم على فهم النصوص في ضوء غاياتها، وربط الدين بمصالح الناس، وتحقيق التوازن بين الثوابت والمتغيرات.
ومن خلال هذا المنهج، يمكن للمسلمين في الغرب أن يكونوا سفراء للقيم الإسلامية في حياتهم اليومية، عبر العمل الجاد، والسلوك الأخلاقي، والمشاركة الإيجابية في المجتمع .
إن مواجهة التطرف مسؤولية جماعية، تتقاسمها المؤسسات الدينية، والأسر، والإعلام، وصناع القرار، كما تتطلب سياسات عادلة تحارب التمييز والتهميش والإقصاء .
في الختام، يبقى خطر التطرف الديني من أخطر التحديات التي تهدد صورة الإسلام ووظيفته الحضارية في الغرب،لأنه يحوّل رسالة الرحمة إلى خطاب كراهية، ومنهج الوسطية إلى مسار غلو .
ولا سبيل لمواجهة هذا الخطر إلا بالعودة الواعية إلى المقاصد الشرعية ، وتجديد الخطاب الديني، وترسيخ ثقافة الحوار، وبناء وعي نقدي قادر على التفاعل الإيجابي مع الحياة المعاصرة .
الصادق العثماني
أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى