
صندوق النقد الدولي يحذر الجزائر من تفاقم العجز وارتفاع الدين.
حذر صندوق النقد الدولي من تنامي الاختلالات المالية والخارجية في الجزائر، رغم تعافي الاقتصاد بعد الجائحة، داعيا إلى تصحيح سريع وطموح لتفادي ضغوط تمويلية متزايدة خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار العجز المالي وارتفاع الدين العمومي وتزايد التعرض لصدمات خارجية محتملة، خصوصا تقلبات أسعار المحروقات.
وجاء ذلك في ختام مهمة مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 التي أجراها فريق من الصندوق إلى الجزائر بين 30 يونيو و26 غشت 2025، حيث أشار التقرير إلى تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 3.6 في المائة سنة 2024 مقابل 4.1 في المائة سنة 2023، نتيجة تقليص إنتاج المحروقات، بينما ظل النشاط غير النفطي مدعوماً بالاستثمار العمومي والطلب الداخلي.
وأوضح التقرير أن تراجع التضخم إلى نحو 4 في المائة، بعد بلوغه مستويات مرتفعة خلال السنتين السابقتين، تزامن مع اتساع عجز الميزانية إلى 13.9 في المائة من الناتج الداخلي سنة 2024، وتحول الحساب الجاري من فائض إلى عجز بسبب انخفاض صادرات الطاقة وارتفاع الواردات.
واعتبر الصندوق أن استمرار الاعتماد الكبير على عائدات المحروقات يجعل المالية العمومية عرضة لتقلبات الأسواق الدولية، مشيراً إلى أن استمرار انخفاض أسعار النفط وحالة عدم اليقين العالمي قد يضغطان على الاستثمار العمومي وإيرادات الدولة، مع توقع بقاء العجز المالي مرتفعاً في غياب إجراءات تصحيحية قوية.
وأكد التقرير أن الهوامش المالية تقلصت بشكل ملحوظ، ما يرفع المخاطر المرتبطة بتمويل العجز وتطور الدين العمومي، إذ قد يتجاوز الدين 80 في المائة من الناتج الداخلي بحلول 2030 إذا لم يتم تعديل المسار الحالي.
ولتفادي هذا السيناريو، دعا الصندوق إلى تصحيح مالي تدريجي يعادل 5 في المائة من الناتج الداخلي في أفق 2028، بهدف تثبيت مسار الدين وإعادة بناء الاحتياطات، من خلال تعزيز الإيرادات غير النفطية، وإصلاح دعم الطاقة، وتحسين إدارة المالية العمومية، وتقليص الفجوة الضريبية.
وعلى المستوى النقدي، شدد التقرير على ضرورة ترسيخ استقرار الأسعار كهدف أساسي واضح، والامتناع عن أي تمويل مباشر للخزينة، مع التوصية بزيادة مرونة سعر الصرف لتمكينه من امتصاص الصدمات الخارجية وتقليص الفجوة بين السوق الرسمية والموازية.
ورغم أن الآفاق القريبة تبدو مطمئنة نسبيا بفضل تعاف تدريجي في إنتاج المحروقات مع تخفيف قيود الإنتاج ضمن تحالف أوبك، فإن الصندوق أكد أن هذا التحسن لا يلغي الضغوط المالية المتزايدة، محذراً من أن استمرار العجز المرتفع قد يقود إلى صعوبات أكبر في التمويل وارتفاع الدين خلال السنوات المقبلة.
وأشار التقرير إلى أن التقلبات العالمية، خاصة المرتبطة بأسعار المحروقات والتوترات الجيوسياسية وتغير السياسات التجارية، قد تؤثر سلباً على الصادرات والاستثمار، ما قد يؤدي إلى اتساع عجز الحساب الجاري، مؤكداً أن الاقتصاد الجزائري يظل معرضاً بدرجة كبيرة لمخاطر تقلب أسعار الطاقة.
وفي ظل بيئة دولية غير مستقرة، أوصت بعثة الصندوق بالشروع في إعادة التوازن للمالية العامة بشكل تدريجي ومدروس لتقليص الاحتياجات التمويلية المتنامية، وتعزيز الاستقرار المالي، ووضع الدين العمومي على مسار أكثر أمانا، مع مواصلة تركيز السياسة النقدية على التحكم في التضخم ومراقبة أوضاع القطاع المالي وزيادة مرونة سعر الصرف لتمكين الاقتصاد من امتصاص الصدمات الخارجية بفعالية أكبر.



