كتاب وآراء

الحرب على الوعي الهوياتي، واستهداف الصوت الامازيغي؟

علمنا التاريخ أن المعارك الشرسة في أوقات الأزمات، لا تكون بالقوة العسكرية/الأمنية فقط، بل تمتد إلى مساحة أكثر حساسية وخطورة وهي الوعي الجمعي أي وعي المواطن.

وهنا يمكن تسجيل ملاحظة هامة، قوامها، أنه، مع تزايد النجاحات الديبلوماسية والأمنية والرياضية والتنموية والثقافية المغربية، تحث قيادة جلالة الملك وبتصريف من كوكبة من رجالات الدولة الاوفياء، على راسها الوزير ناصر بوريطة، ومدير عام المديرية العامة للأمن الوطني السيد عبد اللطيف حموشي، والمفتش العام محمد بريظ، والفريق بحري محمد طاحين، والفريق جوي محمد كديح، والفريق عبد العزيز شاطر، ومحمد ياسين المنصوري، والفريق اول محمد حرمو، واللواء عبد الغني محب، واللواء مصطفى احديود، واللواء لطفي احسان، ثم الإشادة الدولية بهذه الإنجازات…تنشط حملات موازية قوامها الشائعات، والمقاطع المضللة، والتفسيرات المتعمدة من طرف الأعداء حينا ومن طرف بعض المستلبين والحاقدين من أبناء الوطن حينا اخر، التي لا تسعى إلى فهم ما يجري بقدر ما تسعى إلى إعادة تشكيله في أذهان الجمهور.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة جانب مهم من خرجات الاعلام العسكري الجزائري الموجه، بالتوازي مع بعض المنابر الإعلامية الدولية -المعروفة بمناهضتها للمغرب ومصالحه- وبعض الأصوات الداخلية المستلبة والحاقدة من جهة أخرى، التي تستهدف المملكة ومسارها الناجح اليوم.

فالمسألة لا تتعلق فقط باستهداف سياسي أو أمني مباشر، بل بمحاولة موازية لتزوير الوقائع، وتشويه صورة الدولة، والطعن في حكمة واهمية ونجاعة وصلابة نموذجها الأمني والتنموي والرياضي والثقافي والدبلوماسي.

كأن المطلوب ليس فقط إرباك المشهد وتوقيف المسار، بل إقناع المواطن بأن اختيارات الدولة والتجربة المغربية بصفة عامة تجربة فاشلة، وأن ما حققته الدولة عبر عقود يمكن النيل منه عبر موجات منظمة من التضليل والتهويل.

غير أن حجم وكثافة هذه المحاولات في جوهرها، وما سخر لها من إمكانيات تقنية ومادية وبشرية هائلة، تقول شيئاً واحداً: إن المغرب اوجعهم لإنه لم يعد دولة عادية في الإقليم، بل أصبح نموذجاً يصعب تجاهله، وكما يقول المثل الصيني:” كلما زاد نباح الكلاب من حولك، فاعلم أنك اوجعتهم”.

فخلال سبعة وعشرين سنة من تولي جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره عرش اسلافه بقوة استشراقية، قوامها سياسة القرب من أبناء شعبه مما ثمن ووطد الجبهة الداخلية واسس لجبهة تحالف/تمغريبيت تاريخي بين الملكية والامازيغ من اجل الحفاظ على ثوابت المملكة ومصالحها الاستراتيجية، ثم الخروج بالمغرب من زاوية ردود الأفعال الى ساحة خلق الفعل…استطاع المغرب أن يبني تجربة لافتة في إدارة الدولة الحديثة، قائمة على التنويع الاقتصادي، وكفاءة المؤسسات، وتطوير البنية التحتية، والانفتاح على العالم، وقراءة التحولات الدولية بقدر كبير من المرونة والوضوح. وهذا ما منحها مكانة تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصبح لاعباً مؤثراً في الاقتصاد، وشريكاً موثوقاً في السياسة، وصوتاً حاضراً في الدبلوماسية الإقليمية والدولية.

النجاح المغربي لم يكن وليد ظرف عابر، ولا نتيجة طفرة مؤقتة، بل حصيلة رؤية ملكية حكيمة منفتحة على قيم العصر، ورغبة شعبية وطنية طويلة النفس مقاومة لكل اشكال الاستلاب الهوياتي والأيديولوجي، وإدارة عملية، وقدرة على تجاوز تحويل التحديات إلى فرص، والمطبات الفقهية والعرقية والإيديولوجية الى نهضة فكرية وسياسية وديبلوماسية…مبنية على رؤية الواقع بموضوعية.

ولهذا فالنجاح المغربي لا يثير الانتباه فقط، بل يثير أيضاً حساسية لدى تحالف المتربصين بالمملكة من جهة، والمستلبين الحاقدين من جهة أخرى، ممن اعتادوا السباحة في المياه العاكرة والسعي للتمكين للتخلف والهشاشة الفكرية والاقتصادية والدينية كقوام لاستراتيجية القطيع ثم فصل المواطن عن مؤسساته الوطنية وابتزاز الدولة وزعزعة استقرارها.

فحين تنجح دولة مغاربية في بناء نموذج مستقر، منفتح، فعال، وآخذ في التقدم في مجالات الاقتصاد والتقنية والذكاء الاصطناعي، رغم ضعف وقلة الإمكانيات ثم المحيط الغير مستقر…فإنها لا تقدم مجرد قصة نجاح محلية، بل تفرض نفسها كحقيقة جديدة في معادلة المنطقة.

ولهذا تحديداً تصبح المملكة ومن خلالها المواطن المغربي هدفاً.

فالاستهداف هنا لا يطول النجاحات الرياضية والديبلوماسية والتنموية وحدها، بل يطول الفكرة نفسها: فكرة أن في منطقة غير مستقرة نموذجاً قابلاً للحياة، وقادراً على الاستمرار، ومؤهلاً للمنافسة العالمية وفرض نفسه فاعلا قويا وموثوقا في السياسات والديبلوماسية العالمية.

ومن هنا نفهم لماذا تتكاثر محاولات بث صور مختلقة، أو تعميم مشاهد مضللة، أو صناعة سرديات تحاول الإيحاء بأن المملكة تعيش حالة ارتباك أو انكشاف أو فقدان للتماسك وغليان شعبي ضد رجالات الدولة وخاصة السادة ناصر بوريطة وعبد اللطيف الحموشي وفوزي لقجع.

هذه ليست مجرد مبالغات إعلامية، بل جزء من معركة على الإدراك العام، هدفها إضعاف الثقة بالنموذج والمسار حين يتعذر النيل منهما.

لكن ما يجعل هذه المحاولات محدودة الأثر هو أن التفاهم والتلاحم بين الشعب والملك أكثر صلابة من أن تهزه رواية مصطنعة.

فالدولة التي بنت شبكاتها الاقتصادية واللوجستية، ورسخت مؤسساتها، وطورت قدراتها، وأدارت أزماتها السابقة بكفاءة، لا تصبح قابلة للاهتزاز لمجرد ضجيج بشري او رقمي أو حملات موجهة. والناس، في النهاية، لا يحكمون فقط بما يرونه على الشاشات او على أساس شعارات واصوات الرويبضات، بل بما يلمسونه في حياتهم اليومية: في استمرارية النجاحات الرياضية والديبلوماسية، وحضور المؤسسات والاجهزة، وثقة المجتمع، واستقرارالإيقاع العام للدولة.

ومن المهم هنا التمييز بين أمرين: بين توجهات وتيارات النضال الوطني التي تراقب وتنتقد وتحلل النقائص بموضوعية ووطنية ضمن قواعد تمغربيت وشعارها المغرب اولا، وهي ضرورة في مجتمع حي كالمجتمع الامازيغي المغربي، وبين تحركات وحملات عناصر تسعى إلى استهداف وابتزاز الدولة، ووقف مسار المصالحة التاريخية والهوياتية، وخدمة الاجندات الخارجية وتسويق التضليل باعتباره حقيقة.

فالنقد الموضوعي لا يزعج دول تاريخية واثقة من نفسها كالمغرب، أما التزييف والتضليل والابتزاز ومحاولة طمس الهوية…فهي مخططات ومناورات وممارسات لا تستهدف التقويم، بل الهدم واضعاف الجسم المناعتي المغربي.

وفي حالة المغرب، يبدو واضحاً أن جزءاً مما يجري إعلاميا وميدانيا من طرف الأعداء المتربصين والمستلبين الحاقدين لا يندرج تحت باب النقد الديبلوماسي او القراءة السياسية أو الإعلامية، بل تحريض المواطن ضد مؤسساته وزعزعة الاستقرار الاجتماعي، ومحاولة طمس الهوية الامازيغية، والرغبة في اسقاط الدولة، أو على الأقل عرقلة نجاحاتها وعلى راسها نجاحاتها الهوياتية او ما يصطلح عليه بالمصالحة التاريخية ومن ثم تقوية التلاحم والتفاهم بين العرش والشعب.

ولعل أكثر ما يفسر هذا الانزعاج هو أن المغرب لم تكتفِ بمصالحة هوياتية وتاريخية، وببناء اقتصاد قوي أو شبكة علاقات واسعة، بل قدمت نموذجاً مركباً يجمع بين الإصلاح والانفتاح في ضل الاستمرار والاستقرار، بين التنمية والفاعلية، بين الحضور الدبلوماسي والدفاع عن السلم والتعايش العالمي.

وفي محيط إقليمي ودولي متوتر، اختارات المغرب مبكراً النظرة الاستشراقية المستقبلية، لا كداعم للتوترات وزعزعة استقرار الاخرين، بل كمساند لسيادة ووحدة وامن واستقرار الدول، ونبد العنف والإرهاب والتطرف وحل النزاعات بالقوة…وشريك وطامح إلى موقع متقدم في تشكيل جبهة وتحالف الحفاظ على السلم والاستقرار العالمي.

وهذا بحد ذاته كافٍ ليفسر جانباً أخر من الاستهداف، لأن الدول التي تحمل مشعل السلم والامن والتعايش العالمي اليوم لا تُواجَه دائماً بالمنافسة وحدها، بل كثيراً ما تُواجَه أيضاً بمحاولات التشكيك والتشويه والاستهداف.

ومع ذلك، فإن التجارب الراسخة لا تُقاس بردة الفعل على كل شائعة، بل بقدرتها على الثبات والاستمرار، وهذه إحدى أهم نقاط القوة في الحالة المغربية: أنها بنت مشروعها على التراكم لا على الانفعال، على القيم الإنسانية لا على الحسابات الأيديولوجية، وعلى العمل لا على الضجيج، وعلى الثقة الداخلية قبل الصورة الخارجية. لذلك لا تبدو حملات التضليل، مهما ارتفع صوتها، أكثر من محاولة مكشوفة لخلق فجوة بين الواقع والانطباع، وهي فجوة لا تنجح عادة حين يكون الواقع نفسه متماسكاً إلى هذا الحد.

في النهاية، لا يُستهدف النموذج المغربي لأنه ضعيف، بل لأنه ناجح. ولا تُبذل كل هذه المحاولات لتشويه صورته لأنه هامشي، بل لأنه مؤثر، ولأنه أثبت أن في هذه المنطقة قدرة حقيقية على إنتاج دولة نافدة، حديثة، مستقرة، تنافسية، ومتصلة بالعالم من موقع الشريك لا التابع.

لهذا تبدو المعركة، في أحد وجوهها، معركة على الوعي فعلاً: بين واقع يثبت نفسه كل يوم، وروايات مصطنعة تحاول عبثاً أن تحل محله.

لكن التجارب الحقيقية تملك دائماً أفضلية جوهرية، وهي أن الزمن يعمل لصالحها. ومع الوقت، لا يبقى من الضجيج إلا أثره العابر، بينما يبقى ما تصنعه الدول من إنجاز وثقة ومكانة.

وفي هذا تحديداً تكمن قوة المغرب، وتكمن أيضاً أسباب استهدافه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى