كتاب وآراء

عجلات الجزائر وأنابيب المغرب: مفارقة الانهيار والازدهار.

بصفتي صوتاً يراقب هذا المشهد السريالي.. أرى أنه ليس هناك ما هو أشد تناقضاً في مشهد “الكيانات الوظيفية” من أن ترى نظاماً سياسياً  كحالة الجزائر يصر على التحليق بأجنحة “الوهم” في الأجواء الدولية، بينما تعجز عجلاته المحلية عن الدوران فوق الطريق
 فنحن أمام مشهد يختزل بؤس الدبلوماسية الجزائرية وتناقضاتها الصارخة فهي تستطيع أن  تُسخّر طائرة رئاسية فخمة لنقل زعيم جبهة انفصالية إلى “هوامش” القارة كـ”إكسسوار” لا يملك قرار إقلاعه مقابل العجز تماما في توفير أدنى حاجات مواطنيه آخرها  هي ان المواطن الجزائري مضطر وبقوة القانون  إبراز هويته وسجله العدلي ليفوز  بـ”إطار مطاطي” لسيارته صالحة لسنة كاملة
وفي تفاصيل هذا المشهد العبثي لاحظنا  الغياب المدوّي لهذا الكيان الوهمي عن قمة “فرنسا-أفريقيا” الأخيرة بالعاصمة نيروبي باعتباره  شهادة وفاة دولية لسراب لا يعيش إلا في مختبرات “المرادية”
الغياب الذي دفع  المخرج الجزائري لالبحث لدميته عن “هامش” باهت في العاصمة الاوغندية كمبالا تزامنا مع انعقاد هذه القمة
هي مقاربة كوميدية سوداء بين نظام  يحرق آلاف اللترات من الكيروزين لنقل “جثة سياسية” في الوقت نفسه يقنن فيه بيع الإطارات بالبطاقة الوطنية  وهنا أتعجب كيف لدولة تدعي أنها “قوة ضاربة” أن تعجز عن توفير “قطعة مطاط” لمواطنيها دون رقابة بوليسية مما يكشف عن خلل بنيوي في فقه الأولويات جعل تأمين عجلات الانفصال أهم من سلامة طرقات المواطن.
وفي المقابل وبينما يغرق النظام الشرقي في مطاردة الأشباح والصيد في الهامش الإفريقي  يرسخ  بلدنا مكانته الريادية   في المتن الدولي عبر مشاريع سيادية تتجاوز لغة الشعارات إلى لغة الأرقام والاتفاقيات الملزمة وتتويجاً لهذا المسار الواقعي أعلنت وزارة الخارجية النيجيرية في بلاغ رسمي اليوم  أن نيجيريا والمغرب يتوقعان توقيع اتفاقية حكومية دولية في الربع الأخير من عام 2026 للمضي قدماً في مشروع خط أنابيب الغاز العملاق على ساحل المحيط الأطلسي، هذا المشروع الذي يمثل هندسة جديدة للقارة تربط 13 دولة بمصدر طاقة مستدام محولاً موازين النفوذ من الابتزاز الطاقي وشراء الذمم  إلى التكامل التنموي وبناء المستقبل الجماعي
إن هذا الانفصال الجزائري عن الواقع هو ما أدى لاختناق الاقتصاد المحلي الجزائري في محاولة يائسة لتأجيل مواجهة الحقيقة التي لم تعد تقبل القسمة على اثنين
وهي الحقيقة التي كرسها مؤخراً مستشار الرئيس الأمريكي ترامب في حواره مع قناة “سكاي نيوز” اول أمس حين شدد بوضوح على أن قناعة المجتمع الدولي والشرعية الدولية أصبحت اليوم وأكثر من أي وقت مضى  راسخة حول مغربية الصحراء مما يضع نظام المرادية في مواجهة مباشرة مع منطق التاريخ الذي لا يحابي الأوهام.
لقد كسب المغرب معركة (المتن) القاري والدولي  بالواقعية والعمل والشرعية الأممية  وبقي للنظام الجزائري الاستمتاع بـ”الفرجة” في الهوامش بعجلات مستعارة فالدولة التي تستثمر في “الأشباح” وتُهمل عجلاتها الداخلية لتركض خلف سراب الخارج ستتعثر حتماً عند أول منعرج حقيقي
بينما يواصل قطار “المتن” المغربي-الإفريقي سيره نحو المستقبل بعجلات من الإنجازات السيادية الملموسة والاعتراف الدولي الصريح
هذا هو منطق التاريخ الذي  لا يحابي الأوهام..
هو نفسه  –  أي التاريخ – الذي
أثبت أن الأنظمة التي تقتات على “ريع الأوهام” تسقط دائماً أمام حقائق الواقع الميداني
 فالمستقبل لا يُبنى بعجلات مكسورة بل برؤية ثاقبة تعرف كيف تروّض الأنابيب لتسقي طموحات الشعوب…
فهذه  ليست مجرد مفارقة بين اقتصادي.. بل هي شهادة وفاة لمرحلة من العبث السياسي وعقيدة العداء  في مواجهة الواقعية السيادية بروح التقاسم التشارك الإنساني
ولعل الأمر طبيعي
فبلدنا المغرب ليس مجرد رقعة جغرافية..  بل مفترق حضارات وصمود تاريخ
يوسف غريب كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى