كتاب وآراء

أحمد فردوس: إلى بنكيران.. إن الولاءات الإيديولوجية العابرة للحدود لا يمكن أن تنوب عن عقيدة الدفاع الوطني الرسمية.

اخترت أن أتريث وبدون تسرّع في الردّ على رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بن كيران، زعيم حزب لامبة الذي ذهب الله بنوره، حيث كان قد اعتلا منصة الخطابة بمناسبة العيد الأممي فاتح ماي 2026، واستغل فرصة عيد الطبقة العاملة ليتقيأ كلاما حامضا، مغلفا بخطاب ديني/سياسوي تحريضي، انتقى فيه مفردات الفتنة والقتل ليلهب “حماس” طبقته العاملة ويزيد في جرعة تنويمها مغناطيسيا. ويلعب دور “الفقيه” الذي يخفف يمسح على رؤوس المقهورين ويعدهم بالجنة والحور العين. علما أن الشغيلة المغربية والطبقة العاملة تريد أن تنعم بحقوقها في الدنيا قبل الآخرة وتتلذذ بطعم سعادة الحياة ورفاهيتها.
ـ إليكم جزء من خطاب “بن إيران” النّاري والتحريضي:
“وَاشْ هاَدوُا هُومَا الِّلي غَا يْدَافْعُوا عُلَى لَبْلَادْ غَدَّا أُو بَعْدْ غَدَّا؟ وَاشْ عَارْفِينْ آشْ وَاقَعْ فِـ الْعَالَمْ؟ شِي تَيُدْخُلْ عْلَى شِي… إِسْرَائِيلْ كَـ تَقْتَلْ بِدُونْ حِسَابْ…كُونْ مَا تْجَبْرَاتْشْ تَمَّةْ حَمَاسْ. والرْجَالْ الِّلي قَرَّاوْهُمْ الْقُرْآنْ. والدِّينْ والْجِهَادْ. كُرَّاهْ هَادِيكْ غَزَّةْ مَا بْقَاتْشْ مُوجُودَةْ. كُرَّاهْ وَلَّاتْ مَاخُورْ دْيَالْ الْمِريِكَانْ. والأوروبيين…غَزَّةْ بَاقْيَا وَاقْفَةْ حِينْتْ تَمَّةْ الرْجَالْ. وُهَادْ الرْجَالْ مَحْتَاجِينْهُمْ فِـ بْلَادْنَا…غَدَّا وبَعْدْ غَدَّا بَاشْ يْدَافُعُوا عَلِينَا. وَإِلَّا رَاهْ حْنَا فِـ خَطَرْ”؟؟
أولا: هل يعلم صاحب التقاعد المريح “مُولَ سَبْعْ مْلَايَنْ”، بأن المواطن المغربي يعيش في سلم وأمن وأمان، وأوكل أمر حماية والدفاع عن الوطن وسيادته للجيش المغربي وجنوده الأشاوس المرابطين في الحدود تحت قيادة أمير المؤمنين الملك محمد السادس، باعتباره قائدا للقوات الملكية المسلحة. وأشدد في سياق متصل على أن مناسبة فاتح ماي، ليست منصة ميدانية لإشعال فتيل الإقتتال والتحريض، ورفع مستوى جاهزية “ميلشيات” بن كيران ومن معه، لشن الحرب ضد الناس المسالمين والطيبين.
شخصيا، لم أكن أعلم أن زعيم البَّاجْدَةْ، قد أنشأ “ميليشيات” عسكرية سيحتاجها للدفاع عليه وعلى “صحابته” وأصحابه الميامين تحسبا للخطر المحدق بهم كما أورد في خطابه النقابي التحريضي.
بدون لف أو دوران، أسأل زعيم حزب لامبة، عن أي “غزة” تتحدث؟ بعد أحداث أكتوبر المأساوية، وما تلاها من إبادة للشعب الفلسطيني البريء والمعزول، وتدمير بيوت الناس ومؤسساتهم وما إليها، بسبب ما اقترفته أيادي “حماس” الملوثة بالدم، والتي تعز وتبارك جرائمها المعلومة؟
إن خطورة هذا المنطق السِّجالي، الذي تبناه عبد الإله بنكيران، لا يقف عند حدود الاستهلاك الانتخابي أو الدغدغة العاطفية، بل تتجاوزها إلى مساس بنيوي بالثوابت الوطنية للمملكة المغربية. فحينما يعقد أمين عام حزب سياسي قلبه ينبض بهوس “الجهاد”، وهو الذي تولى يوماً رئاسة الحكومة، مقارنة بين عقيدة الجيش الملكي المغربي المنضبط والمهني، وبين أسلوب فصيل مسلّح غير نظامي كحركة “حماس”، فإنه يقع في منزلق تفكيكي خطير لمفهوم الدولة الحديثة، التي تقوم أصلاً على مبدأ “احتكار الاستخدام المشروع للقوة” من طرف المؤسسات الرسمية والشرعية.
تتجلى خطورة هذا الخطاب السياسي في التهديد الأمني وتقويض السيادة، على اعتبار أن مجرد التلميح بالحاجة إلى “رِجَالْ” على شاكلة تنظيمات مسلحة لحماية البلاد، هو تبخيس صريح للمؤسسة العسكرية والأمنية المغربية، التي أثبتت كفاءتها تاريخياً وميدانياً في حماية حوزة الوطن.
إن الطرح “الإخونجي” لزعيم حزب “لامبة” يفتح الباب موارباً أمام الفكر “الميليشياوي” الذي عانت منه دول عديدة في المنطقة، ويُشَرْعِن لفكرة بائسة مفادها أن الولاءات الإيديولوجية العابرة للحدود يمكن أن تنوب عن عقيدة الدفاع الوطني الرسمية، وهو ما يشكل خطراً مباشراً على السلم والأمن الداخليين.
إن تصريح رئيس الحكومة السابق زعيم العدالة والتنمية يظهر التناقض جلياً في خطابه، عندما يحاول الجمع بين موقعه كرجل دولة سابق يخضع للدستور والقوانين المغربية، وبين تبنيه لخطاب حركي يتجاوز مؤسسات الدولة.
إن محاولة إسقاط واقع إقليمي معقد، يتسم بالحروب والدمار، على واقع المغرب المستقر والمتميز بنموذجه التنموي والأمني، تعكس إفلاساً في تقديم الحلول الواقعية لانتظارات الطبقة الشغيلة في عيدها الأممي، وتحول العمل النقابي من الدفاع عن المطالب الاجتماعية إلى منصة لتصدير الأزمات الإيديولوجية.
إن الهوية المغربية قد تميزت تاريخيا بالوسطية والاعتدال، والالتفاف حول إمارة المؤمنين كمرجعية دينية وطنية جامعة مانعة للتطرف. بالتالي، فإن محاولة استيراد نماذج خارجية قائمة على الصدام والتجييش باسم الدين، تعد ضرباً في العمق لخصوصية التدين المغربي.
إنها محاولة لخلخلة الأمن الروحي للمغاربة، وزرع ثقافة الاستقطاب الثنائي (نحن وهم) في مجتمع ميزته الأساسية التلاحم والانسجام والتعايش.
إن الدفاع عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تحظى بإجماع وطني مغربي وبجهود ميدانية ودبلوماسية يقودها جلالة الملك رئيس لجنة القدس، لا يمكن أن يمر عبر الترويج لنماذج تهدد استقرار الأوطان.
إن اللعب بأوراق التجييش العاطفي واستدعاء ثقافة الميليشيات في بيئة وطنية مستقرة هو مغامرة غير محسوبة العواقب. كما أن قوة المغرب تكمن في قوة مؤسساته الشرعية وتلاحم شعبه، وليس في استنساخ تجارب أثبتت الأيام أنها لم تجلب لشعوبها سوى الدمار والفرقة. وهذا لعمري ما يجب أن يدركه الزعيم “اللامبي” بصفته مفاعل سياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى