لم تعد نظرية المؤامرة مجرد تفسير سطحي يستعمل عند العجز عن الفهم، ولا حيلة لغوية لتسكين الصدمة بعد الخسارة، بل تحولت في بعض السياقات إلى عدسة إجبارية تفرض على الواقع أن يرى من خلالها، وإلى منظومة جاهزة لتفسير كل شيء دفعة واحدة: السياسة، الاقتصاد، الهزائم، وحتى فشل تمريرة قصيرة داخل رقعة الملعب. لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: من تآمر؟ ومن دفع؟ ومن حرك الخيوط في الظل؟ وكأن الواقع لا يملك الحق في أن يكون بسيطا أو قاسيا أو فاضحا إلى هذا الحد.
في التعريف الأكاديمي، توصف نظرية المؤامرة بأنها نمط تفكير يرجع الظواهر المعقدة إلى فعل فاعلين خفيين، منسقين، ذوي نوايا شريرة، يعملون في الظل ويتحكمون في النتائج، مع إلغاء كامل لأي احتمال آخر: الخطأ الذاتي، الضعف البنيوي، التفاوت في الكفاءة، أو حتى سوء الحظ. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في خطأ هذا التفسير، بل في تحوله إلى تفسير شامل مانع، تفسير لا يجادل، لا يناقش، ولا يفند، لأن كل محاولة للتفنيد تدرج فورا ضمن قائمة “الأدلة على المؤامرة”.
وحين تتكفل وسائل الإعلام بتكرار هذا النمط التفسيري صباحا ومساء بلغة يقينية لا تعرف التردد، فإن نظرية المؤامرة تتوقف عن كونها رأيا، وتتحول إلى بيئة إدراكية كاملة (Cognitive environment)؛ بيئة تلغى فيها المسافة بين التحليل والانفعال، بين المعطى والاتهام، بين الوقائع والتخمين. في هذه البيئة لا يعود المواطن مدعوا للفهم بل للارتياب الدائم، ولا يطلب منه التفكير، بل الاصطفاف النفسي، ويصبح الشك الدائم فضيلة، واليقين السريع علامة وعي.
ولعل أوضح تجليات هذه الذهنية تظهر خارج السياسة، في مجال يفترض أنه الأكثر براءة ووضوحا: الرياضة. فبعد مباراة المنتخب الجزائري أمام نظيره النيجيري في إطار كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم، خرج منتخب الجزائر بهزيمة ثقيلة، صريحة، لا لبس فيها. هزيمة شاهدها الملايين على الشاشات، وقرأها الجميع في تفاصيل المباراة: فريق متهالك، دفاع منهار، وسط غائب، ولياقة منهكة، وأخطاء لا تحتاج إلى خبير لإدراكها. كانت الخسارة مكتملة الأركان، فنية وتكتيكية ونفسية.
غير أن ما حدث بعد صافرة النهاية كان أكثر إثارة من المباراة نفسها؛ إذ تحركت آلة التفسير فورا، لا للبحث في أسباب الإخفاق، بل لصناعة رواية بديلة مريحة: أياد خفية في الكواليس (lobbying)، حكام فاسدون، بلد مضيف يتحكم في كل شيء، ومخطط محكم أعد بعناية لإقصاء “الضحية البريئة”. الإعلام كله دخل في هذا السباق التفسيري، لا ليشرح ما وقع، بل ليثبت أن ما وقع لم يقع أصلا كما رأيناه.
الأكثر سخرية أن هذه الرواية لم تقتصر على الاستوديوهات، بل نزلت إلى المدرجات، حيث شوهد مشجعون يلوحون بالأوراق النقدية في الهواء، في إشارة مسرحية إلى أن الحكم “مرتش”، وكأن التلويح بالنقود كاف لإلغاء ضعف الدفاع، وبطء الارتداد، وسوء التمركز، وكأن المال هو من سجل الأهداف، وكأن الكواليس هي التي لعبت المباراة.
هنا لا نكون أمام احتجاج عاطفي عابر، بل أمام تطابق كامل بين خطاب الإعلام وخيال الجمهور (Narrative alignment)، تطابق يكشف أن نظرية المؤامرة لم تعد رد فعل، بل أصبحت نقطة انطلاق وقالبا جاهزا يسكب فيه أي فشل، مهما كان واضحا، ومهما كانت أسبابه مرئية بالعين المجردة. الهزيمة لا تتم مراجعتها، بل تنفى. والواقع لا يحلل، بل يعاد اختراعه بما يناسب الكرامة الجريحة.
المفارقة أن هذا النمط من التفكير يمنح أصحابه شعورا زائفا بالتفوق الأخلاقي (Moral superiority illusion): نحن لم نخسر لأننا ضعفاء، بل لأننا مستهدفون، ولسنا متأخرين، بل محاصرون، ولسنا عاجزين، بل ضحايا نظام عالمي لا يحتمل “تفوقنا”. إنه عزاء نفسي جماعي، لكنه عزاء مدمر، لأنه يعفي من السؤال الوحيد الذي يستحق أن يطرح: في ماذا أخطأنا؟
في النهاية، حين تتحول نظرية المؤامرة إلى ثقافة عامة (Conspiracy mindset)، فإنها لا تفسر العالم، بل تعفي من مواجهته، لا تحمي الوعي، بل تخدره، ولا تكشف الخلل، بل تجمله بسردية بطولية زائفة. أخطر ما في هذه النظرية ليس أنها زائفة، بل أنها تلقى تقبلا من طرف البسطاء، لأنها تقدم جوابا واحدا، بسيطا ومريحا لعالم معقد، ولحقيقة موجعة، ولخسارة لا يريد أحد أن يعترف بأنها كانت مستحقة.
وما يبدو في الظاهر تبريرا رياضيا عابرا، يخفي في العمق مؤشرا أخطر: انهيار بلد بكامله وإفلاس على مستويات متعددة، فكرية ومؤسساتية وأخلاقية، حيث يصبح العجز عن الاعتراف بالخطأ أسلوب حياة، ويغدو اختلاق المؤامرة بديلا عن المحاسبة، وعن النقد، وعن الإصلاح.
إن اللجوء المستمر إلى هذه التبريرات ليس مجرد رد فعل انفعالي، بل علامة على مرض مستفحل، مرض لا ينفع معه التجميل ولا المسكنات الخطابية، وحين تبلغ الأوهام هذا المستوى من الترسيخ، لا يبقى من علاج سوى ما قيل قديما: آخر العلاج الكي.
الدكتور بنطلحة يكتب:”نظرية المؤامرة عن الجزائر، والإفلاس الفكري والاخلاقي”.
