بين “وحدة المصير” و”الحياد الانتقائي”.. شعارات الجزائر تسقط بعد استهداف دول الخليج بصواريخ إيران.

على مدار عقود، صدّرت الدبلوماسية الجزائرية خطاباً يرتكز على مفاهيم “السيادة”، “والوفاء للأشقاء”، و”وحدة المصير العربي”. ولعل تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأن “أمن السعودية من أمن الجزائر” ظل يتردد في ندواته الصحافية كشعار تبين زيفه مع تصاعد التهديدات الإيرانية المباشرة ضد دول الخليج (السعودية، الكويت، وقطر، البحرين)، واستهداف هذه الدول من طرف إيران بصواريخ وطائرات مسيرة تسببت في هلع لساكنتها وخسائر مادية كبيرة، وهو ما يثير تساؤلات حارقة حول الفجوة الواسعة بين “بريق التصريحات” و”جمود المواقف”، حيث تحولت العقيدة الدبلوماسية الجزائرية إلى مجرد أدوات للاستهلاك الإعلامي تفتقر لروح التضامن الفعلي.
تاريخ التصريحات.. أمن الخليج “خط أحمر” لفظي:
لطالما أكد الرئيس تبون في حواراته الصحفية، لاسيما مع وسائل إعلام سعودية وقطرية، أن الجزائر تعتبر استقرار الخليج جزءاً لا يتجزأ من استقرارها. ففي زيارته للرياض عام 2020، وفي لقاءات لاحقة، شدد على أن “من يمس السعودية يمس الجزائر”، وهو نفس التصريح الذي ردده قبل أقل من شهر في حوار مع التلفزيون الجزائري.
هذه التصريحات لم تقتصر على المملكة، بل شملت الكويت التي وصفها تبون بـ”دولة المؤسسات والحكمة”، وقطر التي ذهب أبعد من ذلك بوصف العلاقة مع أميرها الشيخ تميم بن حمد بأنها “علاقة أخوية استراتيجية”، خاصة مع ضخ الدوحة لاستثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات الحديد والصلب والاتصالات والزراعة بالجزائر.
الاختبار الصعب.. الصواريخ الإيرانية وصمت “القصر المرادي”:
رغم هذا الغزل السياسي، جاءت اللحظات الفارقة لتكشف عن “برود” جزائري لم يستسغه صانع القرار في الخليج، حيث تعرضت السعودية لهجمات بمسيرات وصواريخ إيرانية بشكل مباشر، وواجهت الكويت نفس المصير حيث ضُربت منشآتها ومطارها الدولي، كما تم استهدات البحرين بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية بشكل مباشر، والأمر نفسه مع قطر التي استهدفتها إيران بعشرات الصواريخ والطائرات المسيرة، غير أن الجزائر اكتفت ببلاغ بارد لوزارة خارجيتها ليس فيه أي إدانه ولا تضامن مع الدول الخليجية، رافضة إدانة إيرات على توجيه صواريخها للدرل العربية.
هذا الموقف يطرح سؤالاً جوهريا وفق العديد من المتابعين في دول الخليج وهو: كيف يمكن لأمن السعودية أن يكون من أمن الجزائر، بينما ترفض الجزائر التنديد بالهجوم الإيراني على السعودية والتضامن معها؟
الاستثمارات القطرية والوفاء الجزائري.. معادلة مختلة:
تعتبر قطر اليوم المستثمر العربي الأول في الجزائر. هذا الزخم المالي كان من المفترض أن يترجم إلى “تحالف سياسي” صلب. لكن الملاحظ أن الجزائر، رغم استفادتها الاقتصادية القصوى من الدوحة، ترفض الانخراط في أي مجهود أمني أو سياسي يحمي هذه المصالح المشتركة من التغول الإيراني في المنطقة. يرى مراقبون أن الجزائر تتبنى مبدأ “أخذ المزايا دون دفع التكاليف”، وهو ما يفسره البعض بأنه نوع من “الانتهازية السياسية” أو “انعدام الوفاء” لشركاء لم يبخلوا عليها بالدعم المالي في أصعب أزماتها الاقتصادية.
النفاق السياسي أم “عقيدة الحياد” المتآكلة؟
في هذا السياق، تتحجج الخارجية الجزائرية دائماً بمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول” و”الوقوف على مسافة واحدة من الجميع”، لكن الواقع يثبت أن هذا الحياد “انتقائي”، فهي تصمت عندما يتعلق الأمر بإيران، وتصعّد عندما يتعلق الأمر بمصالحها الضيقة في ملفات إقليمية أخرى.
يرى محللون سياسيون أن الجزائر تعيش “انفصاماً” بين شعاراتها التي ترفعها، وبين واقع ارتمائها في أحضان عقيدة إيران، هذا السلوك يرسخ انطباعا لدى الشارع العربي بأن التصريحات الجزائرية هي “للاستهلاك المحلي” فقط، وتهدف لدغدغة مشاعر القومية العربية دون أن يتبعها أي فعل ميداني أو موقف ديبلوماسي ما يجعل تصريحات تبون بأن “أمن الخليج من أمن الجزائر” مجرد نكتة سياسية سمجة في أروقة الدبلوماسية الدولية.
ما يحدث اليوم هو إعلان وفاة لمصداقية الخطاب الرسمي الجزائري. فالدولة التي تعيش على “اجترار” شعارات الثورة والشهداء والوقوف مع الأشقاء، تبين أنها تمارس “نفاقاًسياسيا” مفضوحا. فهي تريد “أموال قطر” و”ثقل السعودية” و”حكمة الكويت” لشرعنة نظامها دوليا، لكنها في المقابل تمنح “ولاءها الأمني والميداني” لإيران.
الجزائر تفقد “بوصلة الوفاء”:
الهجمات الإيرانية أمس واليوم لم تكشف فقط عن هشاشة الأمن الإقليمي، بل كشفت عن “عري” المواقف الجزائرية. فلم يعد بإمكان النظام الجزائري الاختباء خلف الشعارات؛ حيث أكدت الوقائع بأن النظام العسكري الحاكم في الجزائر هو جزء من “المحور الإيراني” الذي يرى في استقرار الرياض والدوحة والكويت عدواً له.
بناء على هذا الخذلان السياسي والقومي، يرى مراقبون في الخليج أنه بات من الضروري أن تعيد العواصم الخليجية تقييم علاقاتها مع نظام يبيع “الكلام” في القمم، ويمنح “الصمت” للاعتداءات التي تستهدف وجودها، مشيرين إلى أن بناء العلاقات الدولية على “الشعارات” دون “الأفعال” يؤدي حتما إلى عزلة سياسية وفقدان للثقة، والجزائر اليوم مطالبة بتفسير واضح: كيف تدّعي الحفاظ على أمن السعودية والكويت وقطر، بينما هي الحليف الوثيق لمن يهدد أمن هذه الدول؟
“””الصحيفة – الرباط”””