
سبعون سنة من اليقظة.. كيف رسّخ الجيش والأمن معادلة الاستقرار في المغرب؟
في المغرب، لا تبدو بعض التواريخ مجرد محطات بروتوكولية تمر في الروزنامة الرسمية، بل تتحول إلى لحظات يستعيد فيها المغاربة علاقتهم بفكرة الدولة نفسها. ومع حلول ذكرى تأسيس القوات المسلحة الملكية والأمن الوطني، يعود إلى الواجهة سؤال ظل حاضرا في الوعي الجماعي للمغاربة: كيف استطاعت المملكة أن تحافظ على توازنها وسط منطقة تتغير فيها الخرائط السياسية والأمنية بسرعة؟
جزء كبير من الجواب يرتبط بمؤسسات اختارت منذ عقود أن تشتغل بعيدا عن الضجيج، وأن تجعل من الانضباط والجاهزية عقيدتها اليومية. فالقوات المسلحة الملكية، التي تأسست مباشرة بعد الاستقلال، لم تكن مجرد جهاز دفاعي نشأ لحماية الحدود فقط، بل تحولت مع الوقت إلى إحدى الركائز التي قامت عليها الدولة الحديثة. ومنذ البدايات، ارتبط مسارها بالعرش، ليس فقط من حيث القيادة الدستورية، بل باعتبارها مؤسسة حملت على عاتقها حماية وحدة البلاد وصون استقرارها في لحظات دقيقة من تاريخ المغرب.
وفي هذا الامتداد التاريخي الذي يربط المؤسسة العسكرية بالملكية، برزت خلال الأيام الأخيرة خطوة لافتة تعكس استمرار هذا التقليد داخل الدولة المغربية، بعدما قام الملك محمد السادس بتعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية. هذا التعيين يندرج ضمن تقاليد المؤسسة العسكرية المغربية، حيث سبق للملك محمد السادس نفسه أن تولى المهمة ذاتها سنة 1985 عندما كان وليا للعهد بتكليف من الملك الراحل الحسن الثاني، في مؤشر يعكس حرص المؤسسة الملكية على ضمان استمرارية التكوين الاستراتيجي والتدبير المؤسساتي داخل واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حساسية.
وخلال العقود الماضية، راكم الجيش المغربي حضورا متقدما داخل محيط إقليمي يعرف توترات متواصلة. من حماية الحدود إلى تأمين الصحراء المغربية، ومن تطوير الجاهزية العسكرية إلى الانخراط في مهام حفظ السلام الأممية، رسمت المؤسسة العسكرية صورة مختلفة عن الجيوش التي أنهكتها الصراعات السياسية في عدد من دول المنطقة. لذلك لم يكن غريبا أن تحافظ القوات المسلحة الملكية على مستوى مرتفع من الثقة داخل المجتمع، باعتبارها مؤسسة ظلت مرتبطة بوظيفتها الأصلية بعيدا عن التجاذبات.
ومع التحولات التي شهدها العالم في طبيعة المخاطر والتهديدات، دخل المغرب بدوره مرحلة تحديث واسعة لقدراته الدفاعية، سواء على مستوى التجهيزات أو التكوين أو تطوير الكفاءات البشرية. هذا المسار لم يكن معزولا عن رؤية ملكية جعلت من تحديث المؤسسات السيادية جزءا من بناء مغرب أكثر قدرة على حماية مصالحه الاستراتيجية وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي.
وفي الجبهة الداخلية، يبرز الأمن الوطني باعتباره الواجهة اليومية للدولة داخل المجتمع. فالعلاقة بين المواطن ورجل الأمن لم تعد تُختزل فقط في التدخلات المرتبطة بمحاربة الجريمة، بل أصبحت ترتبط أيضا بالخدمات الإدارية والرقمنة والقرب وتحسين جودة الاستقبال. وخلال السنوات الأخيرة، برز تحول واضح في طريقة اشتغال المؤسسة الأمنية، خصوصا مع تعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة، وتطوير آليات العمل الاستخباراتي والميداني، وهو ما جعل المغرب يحظى بصورة متقدمة في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
هذا التحول لم ينعكس فقط على الأداء الأمني داخليا، بل منح للمغرب موقعا متقدما كشريك موثوق لدى عدد من الدول في قضايا الأمن والتعاون الاستخباراتي. وفي عالم أصبحت فيه التهديدات عابرة للحدود، صار النموذج الأمني المغربي يحظى باهتمام متزايد، بالنظر إلى قدرته على الجمع بين الاستباق والفعالية والاستقرار.
وربما ما يمنح المؤسستين معا هذه المكانة الخاصة لدى المغاربة، هو أن حضورهما لا يرتبط فقط بفكرة السلطة، بل بفكرة الطمأنينة أيضا. ففي محيط إقليمي مضطرب، تبدو صورة الجندي ورجل الأمن بالنسبة إلى كثير من المغاربة مرتبطة باستمرار الدولة وقدرتها على حماية نفسها والحفاظ على توازنها.
وخلف هذه الصورة، توجد أيضا تضحيات كبيرة قلّما تحضر تفاصيلها في الواجهة. رجال ونساء اختاروا مواقع المسؤولية في ظروف صعبة، بعضهم دفع حياته ثمنا لذلك، سواء في حماية الحدود أو في مواجهة الجريمة والتطرف. ولهذا لا تبدو ذكرى تأسيس القوات المسلحة الملكية والأمن الوطني مجرد مناسبة للاحتفال بمؤسستين رسميتين، بل لحظة يستحضر فيها المغاربة معنى الاستقرار نفسه، في زمن أصبحت فيه دول كثيرة تبحث عن الحد الأدنى من التوازن الذي نجح المغرب في الحفاظ عليه عبر مؤسسات رسخت مع الوقت صورة الدولة القادرة على الصمود والاستمرار.
“””اكسبريس TV”””


