حين نقترب من ملف الصحراء، فنحن لا نقف أمام مجرد نزاع حدودي بالمعنى التقليدي، بل نحن أمام دراما سياسية كبرى، تدور فصولها على مسرح إقليمي شديد التعقيد، حيث تختلط الأساطير بالحقائق، وتضيع الحقوق في دهاليز الاستراتيجيات الكبرى. إن القراءة المتأنية للوثائق والوقائع، بعيدا عن ضجيج الشعارات، تضعنا أمام حقيقة لا يمكن القفز فوقها؛ وهي أن هذا النزاع ليس، ولم يكن يوما، مواجهة بين الرباط وجبهة البوليساريو، بل هو في جوهره صراع إقليمي تديره العقلية السياسية في الجزائر، ضمن رؤية استراتيجية ترى في هذا الملف صمام أمان لتوازنات القوى في شمال إفريقيا.
الجزائر هنا، وبكل ثقلها الجغرافي وتاريخها الممتد، لم تكتف بدور المشاهد او حتى الدافع من خلف الستار، بل هي التي صاغت سيناريو الاستمرارية لهذا النزاع؛ فبدون الأرض التي قدمتها في تندوف لتكون قاعدة انطلاق، وبدون الدعم المالي واللوجستي الذي تدفق من خزائن الدولة، وبدون الحشد الدبلوماسي الذي سخرت له الجزائر كل شبكة علاقاتها الدولية، كان لهذا النزاع ان ينتهي طبيعيا تحت وطأة الواقع التاريخي والجغرافي للمملكة المغربية.
إننا هنا أمام ما أسميه صناعة الكيان؛ وهي عملية سياسية معقدة استهدفت خلق عازل جيوسياسي يحول دون تمدد النفوذ المغربي نحو العمق الإفريقي، ويحرم الرباط من استثمار تفوقها الاستراتيجي على المحيط الأطلسي.
القرار في الجزائر، ومنذ لحظة التأسيس لهذا الصراع، لم يكن يبحث عن حق تقرير مصير بقدر ما كان يبحث عن أداة لضبط الحركة في المنطقة؛ فوجود كيان تابع او حليف في تلك البقعة يمنح صانع القرار الجزائري ميزة التداخل المباشر في قضايا الساحل والصحراء، ويضع المغرب دائما في حالة استنفار دفاعي يستنزف طاقاته الاقتصادية والبشرية.
هذا الإصرار الجزائري على رفض صيغ التسوية الواقعية، وعلى رأسها مقترح الحكم الذاتي الذي نال قبولا دوليا واسعا، لا ينبع من تمسك بالمبادئ القانونية، بل هو نتاج عقيدة أمنية ترى في استقرار المغرب واكتمال وحدته الترابية نوعا من الاختلال في ميزان القوى الإقليمي الذي تسعى الجزائر للحفاظ عليه بشتى الطرق.
وفي هذا السياق، تتحول الدبلوماسية الجزائرية إلى ما يمكن وصفه بدبلوماسية القضية الواحدة، حيث تم اختزال كل مصالح الدولة الجزائرية، وعلاقاتها مع القوى العظمى من واشنطن إلى باريس ومدريد، في زاوية واحدة هي ملف الصحراء. هذا التوجه لا يعبر عن سياسة دولة تبحث عن حلول، بل عن دولة تخوض حربا ديبلوماسية شاملة لإثبات فاعليتها الإقليمية عبر بوابة إضعاف الطرف الآخر.
إن جبهة البوليساريو، في هذه الرؤية الهيكلية، لا تخرج عن كونها ذراعا وظيفيا يتحرك ضمن المدى الحيوي للمصالح الجزائرية، ويخضع قرارها السياسي والعسكري لإملاءات المركز في العاصمة الجزائر. ومن هنا، فإن محاولة الفصل بين الجبهة وبين الدولة الجزائرية هي محاولة لإنكار بديهيات الجغرافيا السياسية؛ فالجزائر هي المالك الحقيقي للملف، وهي الطرف الذي يملك القدرة على فتح أبواب الحل او إيصادها، مما يجعل من أي مفاوضات لا تشملها بشكل مباشر مجرد دوران في حلقة مفرغة لا يلامس جوهر الأزمة وصانعيها الحقيقيين.
وعندما ننتقل إلى قراءة اللحظة الراهنة في هذا الصراع، نجد أننا أمام مشهد درامي يقترب من ذروته؛ فالجزائر التي راهنت لعقود على سياسة النفس الطويل، تجد نفسها اليوم في مواجهة حقائق دولية جديدة قلبت الطاولة على كل الحسابات القديمة.
إن الحجة هنا لا تكمن فقط في مسؤولية الجزائر عن البدايات، بل في مأزقها أمام النهايات؛ فمع تحرك القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، نحو الاعتراف الصريح والضمني بسيادة المغرب على صحرائه، تحول ملف الصحراء من ورقة ضغط رابحة في يد الدبلوماسية الجزائرية إلى عبء استراتيجي يهدد بعزلها إقليميا ودوليا.
إننا نشهد الآن ما يمكن تسميته بانكسار الموجة؛ حيث لم تعد الشعارات الرنانة عن تقرير المصير تجد مشتريا في سوق السياسة الدولية التي باتت تبحث عن الاستقرار فوق أي اعتبار آخر، خاصة في منطقة الساحل والصحراء التي تحولت إلى بؤرة للقلق العالمي.
إن الجزائر، بحكم تكوينها السياسي والعسكري، وجدت نفسها حبيسة شرعية النزاع؛ بمعنى أن العداء للوحدة الترابية المغربية لم يعد مجرد خيار سياسي، بل تحول إلى جزء من العقيدة المؤسسة للنظام، وهو ما يفسر حالة التشنج الدبلوماسي التي تظهر في ردود فعلها تجاه أي تقارب دولي مع الرباط.
هذا الارتباط العضوي بين النظام والنزاع أدى إلى حالة من العمى الاستراتيجي، حيث ضحت الجزائر بفرص تاريخية لبناء الكتلة المغاربية التي كان يمكن أن تكون لاعبا دوليا كبيرا، وفضلت بدلا من ذلك إنفاق المليارات من عائدات النفط والغاز على تسليح الجبهة وشراء الولاءات الدولية المتهالكة.
إن الحجة الجيوسياسية هنا تفرض نفسها بقوة: فالجزائر لم تكن تسعى لتحرير أرض، بل كانت تسعى لتقزيم جار؛ ولكن الرياح هبت بما لا تشتهي السفن، فإذا بالمغرب يخرج من هذا الصراع أكثر قوة وتماسكا، محولا الصحراء إلى قلب نابض للتنمية وجسرا يربط أوروبا بأعماق إفريقيا.
وفي التحليل الأخير، فإننا أمام مباراة شطرنج كبرى توشك على الانتهاء، حيث لم يبق للطرف الجزائري سوى قطع قليلة يتحرك بها في مساحة ضيقة جدا. المسؤولية الجزائرية هنا تتجاوز مجرد التمويل إلى عرقلة التاريخ؛ فالإصرار على إبقاء النزاع حيا هو في واقع الأمر إصرار على إبقاء المنطقة بأسرها رهينة لحسابات الحرب الباردة التي تجاوزها الزمن.
إن الحل، كما تفرضه منطقيات القوة والتاريخ، لن يخرج من عباءة الحكم الذاتي، وهو المخرج الذي تدركه الجزائر جيدا لكنها تخشاه؛ لأن القبول به يعني نهاية الوظيفة السياسية للنزاع التي قامت عليها استراتيجيتها الإقليمية لنصف قرن. إننا إذن أمام صراع إرادات، حيث يمثل المغرب إرادة البناء والوصل، بينما تمثل الإدارة الجزائرية إرادة الفصل والعرقلة، وفي صراع كهذا، دائما ما يكون للواقع والتاريخ الكلمة الفصل في نهاية المطاف.
“””د. محمد كرواوي– كاتب وأكاديمي مغربي”””
لماذا تعتبر الجزائر الطرف الأصيل في نزاع الصحراء المغربية؟
