كتاب وآراء

محمد مسعاد: “شكراً يا وليد..عندما تصبح كرة القدم درساً في الكرامة”.

كتب الأديب الأوروغواياني إدواردو غاليانو في كتابه الشهير “كرة القدم بين الشمس والظل” أن كرة القدم هي المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الفقراء أن يهزموا الأقوياء دون أن يطلقوا رصاصة. هناك، على المستطيل الأخضر، يتساوى الجميع أمام الحلم.
في تلك المساحة الصغيرة من العشب، تعلّمنا مع وليد الركراكي درساً بسيطاً… لكنه عميق:
أن الخوف ليس قدراً.
وأن الكرة، إذا لُمست بالإيمان، يمكن أن تغيّر التاريخ.
قبل وليد، كنا ندخل البطولات مثل ضيوفٍ مهذبين. نحلم بمباراة جيدة، ونرضى بشرف المشاركة.
مع وليد تغيّر شيء في القلب.
ارتفع سقف الحلم.
لم نعد نطلب الاحترام… صرنا ننتزعه.
كرة القدم كما كتب غاليانو ليست مجرد لعبة تُلعب بالقدمين، بل حكاية تُروى بالذاكرة والحنين والهوية. وحين يتأمل المرء التجربة التي عاشها المغاربة في السنوات الأخيرة، يدرك أن هذه الكلمات لم تكن وصفاً أدبياً فحسب، بل حقيقة اجتماعية كاملة.
لهذا أكتب اليوم: شكراً يا وليد.
لم يأت وليد الركراكي إلى مقعد تدريب المنتخب المغربي فقط ليغيّر الخطط أو يضبط الإيقاع التكتيكي. جاء ليعيد ترتيب العلاقة بين المغاربة وكرة القدم. أعاد الثقة أولاً. أعاد الإيمان بأن هذا القميص الأحمر لا يُرتدى لمجرد الظهور في البطولات، بل ليحمل طموح شعبٍ بأكمله. قبل سنوات قليلة، كان أقصى ما نتجرأ على قوله هو إننا نريد “مشاركة مشرّفة”. كانت العبارة تبدو متواضعة، لكنها في الحقيقة كانت سقفاً منخفضاً للأحلام. مع وليد تغيّرت اللغة نفسها. لم يعد الحديث عن المشاركة، بل عن القدرة.  لم يعد الطموح مجرد عبور دورٍ أول، بل الوصول إلى المكان الذي يليق بتاريخ كرة القدم المغربية.
ثم جاءت ملحمة قطر. في تلك الليالي القطرية لم يكن المنتخب المغربي مجرد فريقٍ يلعب مباريات متتالية. كان قصةً تُكتب أمام العالم. فريقٌ يقاتل بتنظيمٍ وانضباط، ويهاجم بثقةٍ وهدوء، ويذكّر الجميع بأن كرة القدم ليست حكراً على مدارس بعينها. هناك، في ملاعب قطر، 
ركض اللاعبون كأنهم يحملون وطناً على ظهورهم. 
دافعوا كأن كل متر من العشب قطعة من الذاكرة. وهاجموا كأن التاريخ ينتظرهم عند خط المرمى.
بعد كل مباراة، كانت تصلني رسائل قصيرة من زملائي الألمان على واتساب:
“مبروك، منتخبكم رائع، أنتم تلعبون بقلب كبير.”
في تلك اللحظات فهمت شيئاً قاله إدواردو غاليانو أيضاً: أن كرة القدم قد تكون لعبة… لكنها أحياناً تصبح وطناً مؤقتاً يسكنه الملايين في اللحظة نفسها. حين وصل المغرب إلى نصف النهائي، لم يكن ذلك إنجازاً رقمياً فقط. كان لحظة كرامة رمزية، لحظة أدرك فيها المغاربة أن الحلم الذي بدا بعيداً لعقود يمكن أن يصبح واقعاً. بعد كل مباراة كانت تصلني رسائل تهنئة من زملاء ألمان. كانوا يتحدثون عن المنتخب المغربي بإعجاب: عن انضباطه، وعن شجاعته، وعن تلك الروح التي جعلته يقف نداً لأكبر المنتخبات. في تلك اللحظات شعرت أن كرة القدم قادرة على أن تفعل ما تعجز عنه السياسة أحياناً: أن تمنح الناس شعوراً جماعياً بالفخر.
ثم جاءت تلك الليلة التي واجه فيها المغرب المنتخب البرازيلي، ليلة بدت كأنها جزء من الأساطير الكروية. فالبرازيل ليست مجرد منتخب؛ إنها تاريخ كامل من الجمال الكروي. إنها المدرسة التي علمت العالم كيف يبتسم بالكرة. لكن في تلك الليلة حدث شيء جميل: ابتسم الحلوم المغربي أيضا.. في كرة القدم، كما كتب غاليانو، هناك لحظات يتمرد فيها الحلم على الواقع… وينتصر.
وربما لهذا السبب كان الألم كبيراً عندما ضاع لقب بطولة أفريقيا للأمم بطريقة درامية. بكيت يومها. لكن ذلك البكاء كان مختلفاً. لم يكن بكاء العجز، بل بكاء الحلم الذي اقترب كثيراً حتى إننا صدقنا أننا نمسك به بأيدينا.
مع وليد تغيّرت طريقة شعورنا تجاه المباريات. لم نعد نخاف من الأسماء الكبيرة. لم نعد نبحث عن الأعذار قبل المواجهة. أصبح في داخلنا يقين بسيط لكنه عميق:
أيّاً كان الخصم، فالانتصار ممكن.
واليوم، وهو يحمل سلسلة من عشرين انتصاراً متتالياً، يبدو واضحاً أن ما تحقق ليس مجرد لحظة استثنائية. لقد تشكلت ثقافة جديدة داخل المنتخب: ثقافة الانضباط، والثقة بالنفس، والإيمان بأن القميص الوطني ليس مجرد زي رياضي، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية.
كتب إدواردو غاليانو أن كرة القدم هي “أجمل الأعذار للسعادة”.
لكنها في بعض اللحظات تصبح أكثر من ذلك: تصبح درساً في الكرامة الجماعية.
ولهذا، حين ننظر اليوم إلى هذه الرحلة، لا يبدو الأمر مجرد قصة مدربٍ ناجح أو نتائجٍ جيدة. إنها قصة شعبٍ تعلّم أن يحلم بصوتٍ أعلى.
لهذا نقول ببساطة، وبامتنانٍ عميق:
شكرا يا وليد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى