
الوكيلي: إلى أي حائط يتجه نظام “خاميناي” في إيران ؟!.
قليل من المتتبعين للأزمة الأيرانية والمحللين المنكبّين على تتبع ودراسة خباياها وتداعياتها على بلاد فارس ذاتها وعلى المنطقة، أقول قليل منهم، انتبه إلى التغيير الجذري/الانقلابي الذي طرأ على نظام الحكم هناك، بمجرد تأكيد مقتل المرشد الأعلى “علي خاميناي”… ومجيء ابنه إلى سُدّة السلطة العُليا… فكيف ذلك ؟!
منذ أن أعلن “روح الله بن مصطفى بن أحمد الموسوي الخميني” ثورته من تحت سماء مدينة الأنوار باريس، والنظام الإيراني يقوم على نمط تناوبي على السلطة، ينبثق من نوع فريد في التدرّج عبر المراتب في سلم التراتبية الدينية والمذهبية، من مرتبة “المُبَلِّغ” في مستوى القاعدة، إلى “المرشد الأعلى” عند رأس القمة، حيث يتم انتخاب هذا الأخير بطريقة تشبه إلى حدٍّ ما أسلوب اختيار البابا لدى الكنيسة المسيحية في دويلة “الفاتيكان” بروما !!
لقد جرت العادة هناك باختيار المرشد الأعلى بحيث يتم إقصاء أي احتمال للتدافع والتصارع من أجل ذلك المنصب، لأن مَن سيفوز به في كل مرة يكاد يكون معلوماً بشكل مُسْبَق، لأنه يكون في جميع الأحوال أحدَ أعضاء ثلة صغيرة وضيقة من المرشدين الأكابر…
وبهذا، يندر أن نسمع عن أيّ خلاف أو “صراع بين الأجنحة” عند الإقبال على انتخاب المرشد الأعلى الجديد، لأنه لا وجود هناك أساساً لما يمكن وصفه بالأجنحة المتدافعة والمتصارعة، في نظام شُموليّ وفي غاية الاستبدادية كالنظام الإيراني !!
إلى هنا والأمر في غاية الوضوح والرتابة إلى درجة الملل والضجر، حتى أن المتتبعين والمحللين لا يُلقون بالهم ولا اهتمامهم لعملية اختيار المرشد الأعلى في كل مرة يكون ذلك الاختيار فيها ضرورياً، ما دام ذلك يتم في العادة داخل دائرة في قمة الضيق والانسداد والتخفّي، فضلا عن التعتيم الإعلامي التام والقياسي، الذي يحيط في كل مرة بذلك الاستحقاق… إلى أن حلّت التجربة الراهنة !!
الذي حدث هذه المرة، كما لم يحدث أبدا منذ اندلاع الثورة الخمينية، هو أن اختيار المرشد الجديد، بعد مقتل “علي خاميناي” تحت ضربات سلاحَيْ الجو الأمريكي والأسرائيلي، لم يتم بالطريقة ذاتها، بل حدث فيما يشبه تَوارُثَ السلطة لدى السلاطين والملوك، حيث أنيطت مسؤوليات الإرشاد الأعلى بابن المرشد الهالك، أمام اندهاش العالم أجمع، فيما يُحاكي توريث المُلْك في كل المَمَالِك لأولياء العهد، وليس لغيرهم إطلاقاً !!
الغريب والمثير للدهشة حقّا في هذه الحالة الإيرانية، غير المسبوقة في نظام ثوري قطع بالمطلق مع الملكيات السالفة والمتعاقبة على بلاد فارس، ومع ممارساتها في الحكم وفي اختيار الحاكم، هو أن هذا الإجراء لم يُثِرْ أدنى معارضة أو خلاف إلى حد يومه، وبدا الأمر وكأنه كان مدبَّراً ومتوَقَّعاً حُدوثُه منذ زمن غير قصير، خصوصاً بعد أن عاد الحديث في مختلف الأوساط الإيرانية عن “حنين مكبوت إلى النظام الملكي”، حتى أن بعض المَلَكيين، الذين كانوا طوال عمر الثورة الخمينية قابعين في دهاليز النسيان، شرعوا في الإدلاء بتصريحات حول احتمال عودة نظام الحكم هناك إلى المَلَكية من جديد، إلى درجة ظهور نجل شاه إيران السابق رضا بهلوي عبر بعض القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي، معبِّراً عن استعداده لخوض غمار المنافسة على مقاليد السلطة في إيران بطريقة أو أخرى، رغم استحالة مجرد التفكير في هذا الاحتمال، فبالأحرى السعي إلى تكريسه على أرض الواقع !!
المهم أن النظام الإيراني فَعَلَها هذه المرة من تلقاء ذاته، وحَوَّل نفسَه بنفسِه إلى “مَلَكية”. ورغم أن هذه غير معلَنة وغير رسمية، فإنها صارت مَلكيةً بأغلب المعايير، وفي مقدمتها مِعيار توريث مقاليد الحكم لابن الحاكم الهالك !!
هذه المفارقة العجيبة لم تلبث أن طرحت عَديداً من الأسئلة يأتي في مقدمتها السؤال عن مصائر المرشدين الكبار الذين كانوا في نفس لائحة الاستخلاف مع المرشد الأعلى الجديد، نجل “علي خاميناي”:
– هل سيَقبَلون بهذا الانقلاب الجذري وهذا الإقصاء المفاجئ عن طواعية، بما يفيد أنهم كانوا مساهمين في التهييء له بِتُؤَدَةٍ مخافةَ أن يثير زلزالاً في مختلف أوساط الشعب الإيراني؟
– أم أنهم ما زالوا فقط مأخوذين بهول المفاجأة، بما يفيد أنهم يُعِدُّون لِخُطَةٍ مُضادة يمكن أن تُحدِث زلازلاً أكبر وأعمق في الخريطة السياسية الداخلية، بعد أن ظلت طِوال عقود أشبه بالبركة الساكنة الآسنة، وأن بقاءهم إلى غاية الساعة الراهنة صامتين وهادئين إنما هو بسبب الهجومات المتوالية لأسلحة الجو والبحرية الأمريكية الإسرائيلة، وبالتالي فهم فقط، يُرجئون ردّات فعلهم إلى ما بعد توقف القصف وعودة الأجواء الخارجية والداخلية إلى سابق هدوئها واستقرارها؟
– أم أن الأمر تتشكل في أعماقه انفجاراتٌ سياسية، نخبوية وشعبية، سيأتي أوان خروجها إلى العَلَن طال الزمان أو قَصُر، بما يفيد بدوره ذهابَ إيران من حيث تدري أو لا تدري إلى باب مسدود، أو حائط منيع قد يقع عند الاصطدام به انشطارٌ غيرُ مسبوق لدولة ظلت تعيش في انغلاق وصمت تَمُوجُ بداخلهما كثبانٌ هائلة من الرماد القابل في أي لحظة للاشتعال من جديد ؟!
خُلاصتُه… أن النظام الإيراني، بانتقاله إلى نمط توريث منصب القيادة الروحية والفعلية، قد تحوّل من تلقاء ذاته إلى “مُلْكٍ عاضٍّ” لن تلبث أن تطالَهُ الظواهرُ والمَخاطرُ التي عادةً ما تنزل بكلكلها على هذا النوع من الأنظمة الشمولية والاستبدادية، التي لا تُشبِهُها في شُموليتها واستبداديتها إلاّ نماذجَ مثل أنظمة “ستالين”، و”هتلر”، و”بوكاسا”، و”موسوليني”، و”فرانكو”… وغيرها من الأشكال المنقرضة ليس بفعل الزمن، وإنما لأنها كانت تحمل في أحشائها مُسَبِّبات السقوط والهلاك الحتميَّيْن…
هل تحولت دولة فارس إلى هذا النمط القابل للسقوط الحتمي؟.. ربما…
عجبي !!!



